للمحاكمة , ولكنى فوجئت بهم يقولون: إنا نأذن لك بالزيارة مرة أخرى لأننا سنعدمك. هدني هذا الخبر نفسيًا ولنك حاولت أن لا أظهر بمظهر يشمتهم. وحاولت أن أكون عند زيارة أقاربي أبعد ما أكون عن الحزن والأسى.
كماأن سلوكي في السجن لم يسمح بانتشار الخبر، فلم يعلم به إلا أحد الأخوة، و كان تبرمهم من برامج التلاوة و التفسير و إقامة الجماعة بحيث أخذوا في اصطناع الحجج لإخراجنا من بين سائر المسجونين الى الزنازين، فكانوا يطلبون منا أن نحضر مراسيم الندبة و دعاء كميل، فلما رفضنا ذلك نقلونا الى زنزانة قضينا فيها أربعة شهور. و الزنازين المجاورة لنا كانت مساكن للرجال و النساء المنتسبين الى الأحزاب المعارضة للحكومة. فأما الرجال فكان بعضهم في الانفرادية. و أما النساء فلم يكن في كل زنزانة إلا واحدة منهن. و في هذه الزنازين كانت تقع الجرائم و الاعتداءات الإنسانية و سأذكر نماذج منها:
كانت الزنازين لحداثة بنائها و لبرودة الهواء كثيرة الروائح، بحيث كان أكثر المسجونين قد أصيبوا بالمرض. و ما كان يؤذن برؤية الشمس فضلًا عن التمتع بحرارتها، حيث كانوا يعصبون الأعين حيث الخروج لقضاء الحاجة و لم يكونوا يسمحون بالخروج لقضاء الحاجة و التوضؤ إلا أربع مرات في اليوم و الليلة. و كانوا هم الذين يعينون الأوقات لذلك، فمثلًا كانت إحدى المرات في الساعة الرابعة صباحًا و المرة الثانية بعد الظهر. و كانت المدة المقررة لقضاء الحاجة دقيقتين فقط. و أما الاغتسال و غسل الثياب فلم يكونوا يسمحون بذلك إلا مرتين في الشهر، و لم تكن المدة المقررة له لتجاوز خمس عشرة دقيقة، و مع ذلك كان الماء باردًا و برد الشتاء قارصًا. و مما كانوا يؤذون به المسجونين إذاعة الأناشيد و مراسين الندبة في صالة الزنازين عن طريق مكبرات الصوت من الصباح الى نصف الليل.