وقال القرطبي رحمه الله:
قوله تعالى:"فاصدع بما تؤمر"أي بالذي تؤمر به، أي بلغ رسالة الله جميع الخلق لتقوم الحجة عليهم، فقد أمرك الله بذلك. والصدع: الشق. وتصدع القوم أي تفرقوا؛ ومنه"يومئذ يصدعون" [الروم: 43] أي يتفرقون. وصدعته فانصدع أي انشق. أصل الصدع الفرق والشق ... فقوله:"اصدع بما تؤمر"قال الفراء: أراد فاصدع بالأمر، أي أظهر دينك، فـ"ما"مع الفعل على هذا بمنزلة المصدر. وقال ابن الأعرابي: معنى اصدع بما تؤمر، أي اقصد. وقيل:"فاصدع بما تؤمر"أي فرق جمعهم وكلمتهم بأن تدعوهم إلى التوحيد فإنهم يتفرقون بأن يجيب البعض؛ فيرجع الصدع على هذا إلى صدع جماعة الكفار.
قوله تعالى:"وأعرض عن المشركين"أي عن الاهتمام باستهزائهم وعن المبالاة بقولهم، فقد برأك الله عما يقولون. وقال ابن عباس: (هو منسوخ بقوله"فاقتلوا المشركين" [التوبة: 5] ) . وقال عبدالله بن عبيد: ما زال النبي - صلى الله عليه وسلم - مستخفيا حتى نزل قوله تعالى:"فاصدع بما تؤمر"فخرج هو وأصحابه. وقال مجاهد: أراد الجهر بالقرآن في الصلاة."وأعرض عن المشركين"لا تبال بهم. قال ابن إسحاق: لما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاستهزاء أنزل الله تعالى"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. إنا كفيناك المستهزئين. الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون". والمعنى: اصدع بما تؤمر ولا تخف غير الله؛ فإن الله كافيك مَن آذاك كما كفاك المستهزئين،
قلت: وصدع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما أمره به ربه جل في علاه، فصدقه ناس حبب الله إليهم الإيمان وشرح صدورهم لتلقي نور الإسلام فكانوا من جنده الذين جاهدوا في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم فحملوا رايته عالية، حتى أظهره الله الذي نصرعبده ورسوله ومن سار معه على النهج القويم والصراط المستقبم آخذين ما جاء به من الهدى والرشاد من عند رب العباد؛ وكذبه رهط لم يرد الله أن يطهر قلوبهم فبقوا في ظلمات غيهم يعمهون وفي غيابات الجهل يتخبطون، وهؤلاء هم الأشقياء الذين آذوا رسول رب العالمين للناس أجمعين ... بسطوا إليه ألسنتهم بالسوء وأيدهم بشتى أنواع السلاح ... فسوف يعلمون ..
*** وقبل الشروع في المناورات والمؤامرات التي كان غرض مَن خططوا لها مع العزم على تنفيذها القضاء على الدين الجديد ووأده في شخص النبي المبعوث بتبليغه، أشير إلى تلكم النية السيئة التى سرعان ما انقلبت إلى حسنة من أعظم الحسنات بفضل استجابة العلي القريب، القدير المجيب، دعاء الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لما نادى ربه قال: اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب، قال: وكان أحبهما إليه عمر- أخرجه الترمذي ... ورواه ابن ماجه ولفظه: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة -
وقصة إسلام الفاروق عمر رضي الله عنه لا يخلو منها كتاب في التفسير أو السيرة أو التاريخ ... ففي البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله:
قال ابن اسحاق وكان اسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الحبشة .. -