وإذا سَلِمَت الأدلة الأصلية الأربعة (القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع، والقياس) من خلاف يذكر أو يعتمد في أصلها، فإن الأدلة التبعية الأخرى -على كثرتها - لا يكاد يسلم واحد منها من خلاف بين العلماء - كما هو واضح في كتب أصول الفقه-.
يقول الإمام ابن حزم - رحمه الله - (وأكثر افتراق أهل السنة في الفتيا، ونبذٍ يسيرةٍ من الاعتقادات) .
ومن هنا نلحظ أن الأئمة الذين وصفوا أهل السنة والجماعة بأوصاف تميزهم عن غيرهم، جمعوا في أوصافها بين القول بأمهات المسائل العقدية، وبعض المسائل الفقهية، ولا سيما المسائل التي أصبحت شعارًا لأهل السنة، وخالفهم فيها غيرهم.
فهذا هو الإمام عبد القاهر البغدادي يقول في أوصافها:(فأما الفرقة الثالثة والسبعون: فهي أهل السنة والجماعة، من فريقي الرأي والحديث، دون من يشتري لهو الحديث، وفقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم، ومتكلموا أهل الحديث فيهم، كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته وعدله وحكمته، وفي أسمائه وصفاته، وفي أبوب النبوة والإمامة، وفي أحكام العقبى، وفي سائر أصول الدين.
وإنما يختلفون في الحلال والحرام من فروع الأحكام، وليس بينهم فيما اختلفوا فيه منها تضليل ولا تفسيق.
وهم الفرقة الناجية، ويجمعها الإقرار بتوحيد الصانع وقدمه، وقدم صفاته الأزلية، وإجازة رؤيته من غير تشبيه ولا تعطيل.
مع الإقرار بكتب الله ورسله، وبتأييد شريعة الإسلام وإباحة ما أباحه القرآن، وتحريم ما حرمه القرآن، مع قبول ما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتقاد الحشر والنشر، وسؤال الملكين في القبر، والإقرار بالحوض والميزان.
فمن قال بهذه الجهة التي ذكرناها، ولم يخلط إيمانه بها بشيء من بدع الخوارج والروافض والقدرية، وسائر أهل الأهواء، فهو من جملة الفرقة الناجية - إن ختم الله له بها -، ودخل في هذه الجملة: جمهور الأمة وسوادها الأعظم من أصحاب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والأوزاعي، والثوري، وأهل الظاهر).