ثم قال القاضي عياض: وأما وجوبه لنبينا، والقول بأنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع ولا نص، إذ المعول فيه على آية النجم، والتنازع فيها مأثور، والاحتمال لهما ممكن، ولا أثرٌ قاطع متواتر عن النبي.
قال شارح العقيدة الطحاوية القاضي محمد بن أبي العز الدمشقي- بعد عرضه لما سبق - (وهذا القول الذي قاله القاضي عياض -رحمه الله- هو الحق .. إلخ) .
فهذه الاختلافات في المسائل العقدية، وأمثالها كثير في حياة الصحابة الكرام والسلف الصالح رضوان الله عليهم، تؤكد أنه لا فرق عند أهل السنة والجماعة، أن يختلف العلماء في مسألة عقدية أو فقهية، ما دامت محلًا للاجتهاد والاختلاف، والاتفاق إنما يكون في المسائل القطعية غالبًا.
وإذا كان ثمة فرقٌ بين الميدانين، فإنما هو في سعة ميدان الاختلاف في المسائل الفقهية، وفي ضيقه في المسائل العقدية، حيث تعتمد مسائل العقيدة غالبًا على الأدلة القطعية في ثبوتها ودلالتها، خلافًا لغيرها من معظم المسائل الفقهية.
جرت سنة العلماء المتقدمين - رحمهم الله - على حسن ظن بعضهم في بعض، ووسعت صدورهم -غالبًا- ما طرأ من خلاف في بعض المسائل الفرعية بين أهل السنة والجماعة، واعتبروه أمرًا طبيعيًا مقبولًا، سواء أكان الخلاف في فروع العقيدة أم في فروع الفقه.
فنظر الأشاعرة إلى الأثرية والماتريدية - على الرغم من وجود اختلاف بينهم- نظرة احترام وتقدير، ولم ينقدوا منهم إلا مَنْ غالى في خلافه، وكان أقرب إلى الفرق الأخرى منه إليهم.
وكذلك نظر الأثرية إلى الأشعرية والماتريدية هذه النظرة، وأطلقوا لقب أهل السنة والجماعة على هذه الطوائف جميعها، ولم يخرجوا منها إلا من شذّ أو غالى وتطرف ..
وفي هذا يقول الإمام ابن عساكر في مناقبه:
(مازالت الحنابلة والأشاعرة في قديم الدهر متفقين غير متفرقين، حتى حدثت فتنة ابن القشيري .. ) .