ومن مثل هذين السببين من أسباب اختلاف العلماء، نشأ الاختلاف منذ العصر الأول في بعض المسائل العقدية والفقهية، وناقشها العلماء مصححين ومخطئين دون تفرقة بين الميدان الفقهي أو العقدي.
فكما اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في كثير من المسائل الفقهية، اختلفوا في بعض المسائل الاعتقادية، وذلك مثل اختلافهم في رؤية الرسول لربه عز وجل ليلة الإسراء والمعراج، واختلافهم في تفسير قوله تعالى: وَإِذ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ.
واختلافهم في تعريف الكرسي، وفي أيهما أسبق؟ الميزان أو الحوض يوم القيامة، وفي الإسراء هل كان بالروح فقط؟ أو بالروح والجسد معًا، واختلافهم في فهم حديث: (الميت يعذب في قبره بما نيح عليه) المتفق عليه، إلى غير ذلك من مسائل تعرف بتتبع كتب العقيدة والأحكام .. .
وسأكتفي هنا بتفصيل مسألة واحدة من هذه المسائل، وهي:
الاختلاف في رؤية الرسول لربه عز وجل ليلة الإسراء والمعراج، فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لمسروق حين سألها: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قَفَّ شعري مما قلت، ثم قالت: من حدثك أن محمد رأى ربه فقد كذب) متفق عليه.
وحكى القاضي عياض في كتابه (الشفا) ، اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم في رؤيته، وإنكار عائشة رضي الله عنها.
وقال جماعة: بقول عائشة رضي الله عنها، وهو المشهور عن ابن مسعود وأبي هريرة، واختلف عنه.
وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وعن ابن عباس: أنه رآه بعينه.
أخرج ابن خزيمة في (التوحيد) ، من حديث سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة، قال ابن عباس: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ) قال: رؤيا عين أريها النبي ليلة أسري به.