فكان المشهور في ديار خراسان والعراق والشام أن أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة، والمشهور في أكثر الأقطار الواقعة في ديار ما وراء النهر، أن أهل السنة والجماعة هم الماتريدية.
والمشهور عند بعض أهل الحديث وجمهور الحنابلة أن أهل السنة والجماعة هم (الأثرية) .
وبقي جمهور العلماء على ذلك، مع حسن نظرة بعضهم إلى بعض، وعدم إخراج مدرسة من هذه المدارس عن دائرة هذا اللقب.
وقد أفاد شيخنا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة -رحمه الله تعالى - في تعليقاته على مسودة هذا البحث بخط يده بما خلاصته: أن المعروف والمذكور أولا من اللقب (الجماعة) لما ورد في الحديث الشريف من مثل: عليكم بالجماعة، ويد الله على الجماعة، وجماعة المسلمين .. وأمثال ذلك، ثم أضيف إليه (السنة) في مقابلة (الشيعة) أو بمقابلة غيرها معها من الفرق الضالة .. (فلينظر) .
لقد شاع بين العلماء والباحثين: أن الاختلاف بين المسلمين جائز وواقع في المسائل الفقهية لا في العقدية، حتى أصبح هذا القول أشبه بقاعدة مُسلَّمة، يتحرج كثير من أهل العلم أمامها من الخوض في بعض مسائل العقائد، ويتعجب للخلاف القائم في الماضي حول بعض هذه المسائل.
ولكن المتتبع لسيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم - رضوان الله عليهم - لا يجد لمثل هذه القاعدة سندًا ولا أصلًا، وإنما يجد - كما رأينا في النقطة السابقة - أن الخلاف قائم بين السلف في كلا الميدانين لكنه ضاق الاختلاف في باب العقائد نسبيًا، أمامَ الاختلاف في أبواب الفقه، تبعًا لما ذكرته سابقًا من اعتماد مسائل العقيدة غالبًا على الأدلة القطعية من جهة، ولارتكاز أمور العقيدة على الجانب الغيبي من جهة أخرى، والأصل في باب الغيبيات التسليم والتصديق، وفي باب العمليات التعقل والتفهم ..