الصفحة 5 من 29

كما حكموا في مواقف الشيعة المغالين في علي رضي الله عنه، وفي الخوارج الذين خرجوا عليه، وكفروا غيرهم بالذنوب، ورأوهم قد خرجوا بذلك عن دائرة الاجتهاد المنضبط بالكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين، وحكموا عليهم بالشذوذ والفرقة والضلال ..

ومن هنا جاء لقب أهل السنة والجماعة تلقائيًا واشتهر على ألسنة العلماء، مميزًا عامة المسلمين عن أصحاب هذه الفرق، وتعارف على ذلك الناس كما تعارفوا على تسمية المتشيعين لعلي رضي الله عنه والمغالين فيه (بالشيعة والرافضة) ، وعلى تسمية الخارجين عليه (بالخوارج) ، فكان لقب أهل السنة والجماعة مفهومًا في عصرهم، واضحًا في إطلاقه لا لبس فيه ولا غموض.

ذكر البخاري -رحمه الله- في صحيحه عن الإمام سعيد بن المسيب رضي الله عنه، أنه قال: (وقعت الفتنة الأولى يني مقتل عثمان فلم تبق من أصحاب بدر أحدًا، ثم وقعت الفتنة الثانية يعني الحرة، فلم تبق من أصحاب الحديبية أحدًا، ثم وقعت الثالثة، فلم ترتفع وللناس طباخٌ) (أي لم تبق من الصحابة أحدًا) .

قال شارح العقيدة الطحاوية بعد ذكره لقول سعيد هذا:(فالخوارج والشيعة حدثوا في الفتنة الأولى، والقدرية والمرجئة في الفتنة الثانية، والجهمية ونحوهم بعد الفتنة الثالثة، فصار هؤلاء الذين فرقوا دينهم شيعًا، يقابلون البدعة بالبدعة،

أولئك غلوا في علي، وأولئك كفروه، وأولئك غلوا في الوعيد حتى خلدوا بعض المؤمنين، وأولئك غلوا في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد، أعني المرجئة.

وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه .. ).

واستمر إطلاق لقب (أهل السنة والجماعة) على عمومه وشموله، وسعة دائرته حتى وُجدت المدارس العقدية عند أهل السنة، فانتسب قوم لأصحاب الحديث، وعرفوا (بالأثرية) وآخرون للإمام أبي الحسن الأشعري، وعرفوا (بالأشعرية) ، وآخرون للإمام أبي المنصور الماتريدي، وعرفوا (بالماتريدية) .

وأخذت كل طائفة منها تطلق هذا اللقب على نفسها ولا تنفيه عن غيرها من أصحاب هذه المدارس، وذلك تبعًا لانتشار هذه المدرسة في هذا الموطن أو ذاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت