الصفحة 21 من 29

أما المحققون من العلماء، فنراهم يناقشون المسائل وأدلتها، ويحكمون بخطئها أو صوابها، أو يُوفِّقون بين الأقوال، ويجمعون بينها على وجه من أوجه الجمع الذي يجعل كثيرًا من الاختلاف في المسائل خلافًا لفظيًا أو صوريًا، أو خلافًا تاريخيًا أحاطت به ظروف وملابسات خاصة دعت إلى ذلك الخلاف.

كما رأى بعضهم ذلك في الاختلاف في مسألة الإيمان وتعريفه، وزيادته ونقصانه، كما أشرتُ إلى ذلك سابقًا.

2 -أما عن وجود التشابه بين أقوال بعض أصحاب هذه المدارس، وببين أقوال بعض المبتدعة، فإن ذلك طبيعي لا يستلزم أن يعود إلى التشابه في العقيدة بين القائلين، وإنما قد يعود إلى اتفاق العقول على بعض الأقوال في المسائل الاجتهادية.

كما أنه ليس كل أقوال أصحاب البدع بدعة أو باطلًا، فقد يكون لهم أقوال يوافقون فيها الحق وقد يكون الحق ممزوجًا بباطل، أو يكون الباطل ممزوجًا عند آخرين بحق.

وإنما حكم على أهل البدع والفرق الأخرى بالخروج والابتداع لخروجهم في أصول المسائل لا في فروعها، ولمخالفتهم في بعض المنطلقات العلمية والموازين الاجتهادية، لا في جميع أقوالهم ومسائلهم.

وإلا، فكم من أقوال متشابهة في مسائل متعددة بين أصحاب الفرق والطوائف جميعها، على مختلف عقائدهم ومللهم!!

وإلى هذا المعنى يشير شارح الطحاوية حيث يقول: (لكن نجد كثيرًا من هؤلاء، قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه حق ما، أو معه دليل يقتضي حقًا ما، فيرد الحق مع الباطل، حتى يبقى هذا مبطلًا في البعض، كما كان الأول مبطلًا في الأصل، وهذا يجري كثيرًا لأهل السنة) .

ويقول في موطن آخر حول الاختلاف في الكتاب وتنزيله: (فالأول: كاختلافهم في تكلم الله بالقرآن وتنزيله، فطائفة قالت: هذا الكلام حصل بقدرته ومشيئته، لكونه مخلوقًا في غيره لم يقم به، وطائفة قالت: بل هو صفة له قائم بذاته ليس بمخلوق، لكنه لا يتكلم بمشيئته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت