وجميع الفرق، فإنهم حين اختلفت بهم مُسْتَشْنعاتُ الأهواء والطرق، كفّر بعضهم بعضًا، ورأى تبريه ممن خالفه فرضًا).
يقول الشيخ تاج الدين السبكي -رحمه الله- بعد نقله لكلام الحافظ الذهبي هذا: (قلت: وهذا حق، وما مثل هذه المسائل إلا مثل مسائل كثيرة اختلفت الأشاعرة فيها، وكلهم عن حمى أبي الحسن يناضلون، وبسيفه يقاتلون، أفتراهم يبدّع بعضهم بعضًا؟) .
ولما استفتى بعضهم الحكام والناس في لعن الأشاعرة على إثر الفتنة التي نشأت بين المدارس العقدية، أفتى العلماء من الأثرية وغيرهم بعدم جواز لعنهم، بل بتعزير من يلعنهم، وعلل الدامغاني فتواه: بأنهم من طائفة المسلمين، كما علل أبو إسحق -مع ذلك- بأن لهم ذبًا وردًا على أهل البدع المخالفين للسنة.
يقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله- في هذا: (وكذلك رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد فتوى طويلة، فيها أشياء حسنة قد سئل فيها عن أشياء متعددة، قال فيها: وذكر عددًا من فتاويه، ثم قال: ومن ذلك قوله: أما لعن العلماء لأئمة الأشاعرة، فمن لعنهم عُزِّر، وعادت اللعنة عليه، فمن لعن من ليس أهلًا للعنة، وقعت اللعنة عليه، والعلماء أنصار فروع الدين، والأشعرية أنصار أصول الدين) .
ويقول العلامة السفاريني -رحمه الله- في معرض حديثه عن مسألة القدر: (وأما المتوسطون: فهم أهل السنة والجماعة، فلم يفرطوا تفريط القدرية النفاة، ولم يفرطوا إفراط الجبرية المحتجّين بالقدر على معاصي الله، وهؤلاء -أي أهل السنة والجماعة- على مذهبين: مذهب الأشعري ومن وافقه من الخلف، ومذهب سلف الأمة وأئمة السنة .. ) .
وإن أي نظرة فاحصة في تراجم العلماء وكتب الطبقات، تؤكد أن كل طائفة من طوائف أهل السنة والجماعة ترجمت للأخرى، ونسبت هذا العالم أو ذاك لهذه الطائفة أو تلك، دون تحرج من النسبة أو الطعن فيها.
وبقي الأمر على هذه الحال، اللهم إلا عند بعض المتشددين من المتقدمين، وكثير من متعصبي المتأخرين.