الأمر الجسيم، فجادلهم إبراهيم عليه السلام فيهم؛ ولذا نعت بالحلم عليه السلام، فأخبروه بأنه قد حتم أمرهم، ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم.
فجاءوا في صورة شباب لم يُر أحسن منهم، فراوده الأخباث عنهم، فأرشدهم نبيهم إلى إتيان نسائهم، وهنّ بناته؛ فالنبي بمنزلة الوالد لأمته. فقالوا له: لقد علمت يا لوط أنه لا حاجة لنا في نسائنا، وإنك لتعلم مرادنا وغرضنا. واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم، ولم يخافوا سطوة العظيم، ذي العذاب الأليم.
فلما ضاق الأمر أخبرته الملائكة أنهم لن يصلوا إليه، وخرج عليهم جبريل عليه السلام فضرب وجوههم بطرف جناحه فطمست أعينهم، حتى قيل: إنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا أثر، فرجعوا يتحسسون مع الحيطان، ويتوعدون رسول الرحمن، ويقولون إذا كان الغد كان لنا وله شان!
وأُمر لوط عليه السلام أن يسري هو وأهله من آخر الليل وأن لا يلتفت منهم أحد عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه. فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكانت عند شروقها، جاءهم من أمر الله ما لا يرد، ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد. فأخذتهم الصيحة، وهي ما جاءهم من الصوت القاصف، ثم رفع جبريل عليه السلام مدنهم السبع واقتلعها بمن فيهنّ من الأمم، والحيوانات، والمتاع. فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء، وسمعت الملائكة أصوات دِيَكتهم ونباح كلابهم، ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها. وأُمطروا بحجارة انهمرت عليهم من السماء من سجيل شديد صلب القوى، منضود يتبع بعضها بعضًا في نزولها عليهم من السماء، مسومة معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدمغه.
وكان من أمر امرأته أنها مكثت مع قومها، ويقال: إنها خرجت مع زوجها وبنتيها، ولكنها لما سمعت الصيحة وسقوط البلدة التفتت إلى قومها وخالفت أمر ربها قديمًا وحديثًا، وقالت: واقوماه! فسقط عليها حجرٌ فدمغها وألحقها بقومها; إذ كانت على دينهم، وكانت عينًا لهم على من يكون عند لوط عليه السلام من الضيفان [1] .
هذا ما حلَّ بهم من النكال، وما هي من الظالمين ببعيد، فكل من شابههم في فعلهم فهي قريبة منه [2] .
(1) / وليس المراد بقوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} [التحريم 10] أنهما زانيتان، تعالى الله أن تزني امرأة نبيه، ولذا لما برأ الله أمَّنا عائشة قال: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور 16] . قال ابن كثير:"وليس المراد: {فَخَانَتَاهُمَا} في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصوماتٌ عن الوقوع في الفاحشة؛ لحرمة الأنبياء" [تفسير القرآن العظيم (8/ 171) ] .
(2) / بتصرف من قصص الأنبياء، للإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير، دار القلم ببيروت، تحقيق لجنة من العلماء، ص (192 - 204) .