قال: فسري عن الرجل وانكشف همه وقال: تعزيت.
وأخيرًا فإن من ألطف وقوي ما سمعت من تعزية غير كلام رسول البرية صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة رضوان الله عليهم ما قاله ابن سناء الملك وقد مات لأحد أقاربه ميت فجزع عليه جزعًا شديدًا فكان مما قاله ابن سناء: إنا لله, إلى متى هذا الجزع الصبياني و الهلع النسواني؟
إلى متى هذا الحزن الذي لا يحيي دفينك بل يميت دينك ويسلب هدوءك ويشمت فيك عدوك , أما على هذا مضى الزمان؟ وعلى هذا درج الثقلان وللخراب بني العمران وللانتقال سكن السكان وللموت ولد
المولود وللعدم خلق الوجود أتحب أن تبقى ويبقى من تحب؟ فذا خلود.
إنا لله وإنا إليه راجعون أفضل قول الصابر وفي سبيل الله وإلى رحمة الله من حسب في أهل المقابر , أجزل الله أجرك وأحيا على دفينك صبرك , ووسع لهذه النازلة صدرك , وأنزل على قلبك السكينة ربك , وخفف عن قلبك وطيئة كربك , لا جمع الله عليك فراق الأحباب وفراق الثواب , وجمع الله عليك النعمتين , نعمة الجلد ونعمة الاحتساب.
إني والله لشريكك في المصاب ونصيبي منه لأكثر ودمع عيني لأغزر ولو شئت أن أبكي دمًا لبكيته , ولكنني في ساحة الصبر أجمل.
أخي المصاب , لعل في ما سمعته عزاء لك , فلست أول ولا آخر مصاب , جعل الله التعزية لك لا عنك , والخلف عليك لا منك , في الله عزاء من كل هالك , وخلف من كل فائت , وعوض من كل مصيبة , وشر من المصيبة حرمان الأجر فيها:
لا بد من فقدٍ ومن فاقدِ هيهات ما في الناس من خالدِ
ولا يفوت هنا أن أنبه في هذا لما يلي:
أولًا:- ينبغي تجنب الجلوس عند أهل الميت للتعزية؛ لأن في ذلك تجديدأً للحزن وتكليفًا للمعزى ومخالفة لهدي السلف الصالح رضوان الله عليهم , ففي الحديث الصحيح أن جرير بن عبد الله البجلي قال:
كنا نعد الاجتماع لأهل الميت بعد دفنه من النياحة.