صَه, فو الله لأن يعلم الله برضاي بهذا أحب إلي من كل غزاةٍ غزوتها, من كان عليه عزيزًا وبه ضنينًا فصبر على مصيبته واحتسبه أبدل الله الميت دارًا خيرًا من داره وقرارًا خيرًا من قراره , وأبدل المصاب الصلاة والرحمة والمغفرة والرضوان.
قال: فما برحنا حتى قضى الغلام فقام وغسله وحنّطه و كفنه وصلينا عليه ثم نزل في قبره ووضعه وسوّى عليه التراب ثم رجع إلى مجلسه فدعى بدهن فادّهن وبكحل فاكتحل وببردة جميلة فلبسها , وأكثر من التبسم ينوي ما ينوي, ثم قال:
إنا لله وإنا إليه راجعون , في الله خلف من كل هالك , وعزاءٌ من كل مصيبة , ولله الأمر من قبل ومن بعد ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولسان حاله:
كل ما كان من قضاء فيحلو بفؤادي نزوله ويطيبُ
أيها الأحبة , لا زلنا في رياض الراضين بالقضاء , نعيش لنعتبر ونتعظ ونسلو ونرضى.
يقول أبو علي رحمه الله:
صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكًا ولا متبسمًا إلا يوم مات ولده علي رحمه الله , فقلت: ما هذا؟ قال: إن الله سبحانه أحب أمرًا فأحببت أن أحب ما أحب الله , وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وضحك أحد السلف يوم مات ابنه فقيل:
أتضحك في مثل هذا الحال؟ قال: نعم , أردت أن أرغم الشيطان , وقضى الله القضاء فأحب أن أرضى بقضائه فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
ويشتكي ابن لعبد الله بن عمر رضي الله عنهم فيشتد وجده عليه , حتى قال بعض القوم:
لقد خشينا على هذا الشيخ إن حدث بهذا الغلام حدث , وشاء الله فمات هذا الغلام فخرج عمر في جنازته , وما أبدى رجل سرورًا إلا ابن عمر , فقيل:
ما هذا؟ قد خشينا عليك يابن عمر, قال: إنما تلك كانت رحمة به , فلما وقع أمر الله رضينا به.