الصفحة 47 من 71

ولذا قال أبو المَعَالي الحَنْبَلِيُّ في (( شرحِ هدايةِ أبي الخَطَّابِ الحَنْبَلِيّ(1 ) )) على ما نقلَهُ الشِّبْلِيّ: امرأةٌ قالت: إنَّ جنيًَّا يأتيني كما يأتي الرَّجلُ المرأة، هل يجبُ عليها الغسل، قال بعضُ الحنفيَّة: لا غسلَ عليها؛ لانعدامِ سببها، وهو الإيلاجُ والاحتلام، فهو كالمنامِ بغيرِ إنزال.

قلت (2) : وفيما قالَهُ نظر؛ لأنها إذا كانتْ تعرف (3) أنه يجامعُها كالرَّجلِ فكيفَ يقول: لا إيلاجَ ولا احتلام، وإذا انعدمَ السَّببُ وهو الإيلاجُ أو الاحتلام، فكيف يوجدُ الجماع. انتهى (4) .

وكذا بحثَ فيهِ صاحبُ (( البحرِ الرَّائق ) )بقوله: قد يقال: ينبغي وجوبُ الغُسْلِ بغيرِ إنزال؛ لوجودِ الايلاج، لأنها تعرفُ أنه يجامعها، كما لا يخفى. انتهى (5) .

وبالجملة؛ فالقولُ بأنه لا يجبُ الغسلُ بوطء الجنِّيِّ في اليقظةِ إلاَّ إذا أنزلت، أو ظهرَ في صورةِ آدميِّ ممَّا لا يعلمُ وجهه.

وأمَّا ثامنًا: ففي قولِه: وكذا يقالُ في إمامتِهِ الجنِّيّ.

فإنَّهُ يفيدُ أنَّ إمامتَهُ إنَّما تصحُّ إذا ظهرَ بصورةِ آدميّ، وهذا ممَّا لا يظهرُ وجهُه، فإنَّ الجنِّيَّ مكلَّفٌ بأحكامِ الشَّريعةِ سواءٌ تصَّورَ بصورةِ آدميِّ أو لا.

فافهمْ فإنَّ المقامَ ممَّا يُعْرَفُ ويُنْكَر، ولا تسرعْ في الرَّدِّ والقبول، فإنه أمرٌ مُنْكَر.

تنبيه:

(1) وهو محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكَلْوَاذانيّ البغداديّ الأزجِيّ الحنبليّ، أبو الخطَّاب، قال الذهبي: شيخ الحنابلة وصاحب التصانيف، كان إمامًا علامة، ورعًا صالحًا، وافر العقل، غزير العلم، حسن المحاضرة، جيِّد النظم، من مؤلفاته: (( التمهيد ) )في أصول الفقه، و (( رؤوس المسائل ) )، و (( الهداية ) (432 - 510 هـ) . انظر: (( العبر ) ) (4: 21) . (( مرآة الجنان ) ) (3: 200) .

(2) القائل هو الشبلي رحمه الله.

(3) وقع في النسخ: (( تعرفها ) )، والمثبت من (( الآكام ) ).

(4) من (( آكام المرجان ) ) (ص 78) .

(5) من (( البحر الرائق ) ) (1: 60) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت