وهي عملية نسخ الكتب وكتابتها حيث أصبحت عملية ملازمة لانتشار الكتاب والتأليف، بل تحولت بعد مجيء الإسلام إلى صناعة إسلامية (12) . حيث أصبح الناسخ فئة مؤثرة، إذ أصبحت النساخة تجلب الأجر المجزي، وكذلك أصبحت عملية تقليد الخطوط ومحاكاتها من العمليات التي لاقت رواجًا، وقد مارسها الكثير دون حرج.
وأصبح النساخ والورّاقون طبقة لها شأن تؤثر في نشر العلم، وتؤثر - بلا شك - في حق العالم، المؤلف أو المبتكر، حيث يذكر أن أحدهم قال:"آفة العلم خيانة الوراقين" (13) .
لذا كان العلماء الأوائل يحرصون على نسخ كتبهم بأنفسهم حيث عرف علماء المسلمين النسخ كوسيلة لإبراز مؤلفات تخطها أيديهم على الورق بعد بذل الجهد في التفكير والكتابة بل وإعداد المداد حرصًا على مؤلفاتهم من التحريف أو السرقة، إذ من النساخ من كان يخون أمانته العلمية، فقد ذكر أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار إن وراقهُ أبا العباس المصري خانه واختزل عيون كتبه وأكثر من خمسمائة جزء من اصوله (14) . ولكن لم نعثر على أمثلة تعكس كيفية حماية حقوق أولئك العلماء في ملؤلفاتهم.
لم يتجه الصحابة والتابعون في صدر الإسلام الأول إلى التأليف، وذلك لقرب عهدهم من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وتوفر الثقاة من الصحابة، الشيء الذي أعفاهم من التدوين والتأليف حتى أن بعضهم كره كتابة العلم، واستدلوا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه نهى عن الكتابة وقال:"إنما ضل من قبلكم بالكتابة". بالإضافة أنهم كانوا يعتمدون على الحفظ وكان الحافظ منهم إمامًا.