الصفحة 9 من 19

أما مقياس الكثرة واعتماد ابن سلام عليه في المفاضلة بين الشعراء فنراه جليًا في غير موضع من كتابه، من ذلك ـ مثلًا ـ ما نراه في تبرير تأخر منزلة طَرَفَة بن العبد وعَبيد بن الأبرص وعَلْقَمَة بن عَبَدَة وعَدِى بن زيد، إلى الطبقة الرابعة، إذ يقول:"وهم أربعة رَهْطٍ فحولٌ شعراء، موضعهم مع الأوائل، وإنَّما أخلَّ بهم قلَّة شعرهم بأيدى الرُّواة [1] ". وكذلك قوله في معرض حديثه عن الطبقة السابعة:"أربعة رَهْط مُحْكِمون مُقِلّون، وفى أشعارهم قِلّةٌ، فذاك الذى أخَّرهم [2] ".

وكذلك مقياس تعدد الأغراض الذى يتضح أثره بصورة جلية في مواضع عديدة من طبقاته، من ذلك ـ مثلًا ـ ما نراه في تبرير وضع كُثَيِّر عزة في الطبقة الثانية من فحول الإسلام، وجميل بن مَعْمَر في الطبقة السادسة؛ مع أن جميلًا مُقَدَّمٌ في التشبيب على كُثَيِّر وعلى أصحاب النسيب جميعًا، قال ابن سلام:"وكان لكُثَيِّر في التشبيب نصيبٌ وافرٌ، وجميلٌ مُقَدَّمٌ عليه ـ وعلى أصحاب النسيب جميعًا ـ في النسيب، وله في فنون الشعر ما ليس لجميل. وكان جميلٌ صادق الصبابة، وكان كُثَيِّر يتقوَّل، ولم يكن عاشقًا، وكان راوية جميل [3] ".

ولا يخفى على الدارس أن الكثرة وتعدد الأغراض لايمكن بحال الاعتماد عليهما كمقياسين نقديين لدرس الشعر وتقويمه، وأن ابن سلام نفسه كان قد أشار ـ في مقدمته ـ إلى قضية الإنتحال والوضع في الشعر، وأن الرواة لعبوا دورًا خطيرًا في الإقلال من شعر شاعر، والإكثار من شعر غيره .. لذلك أرى أن أهمية هذين المقياسين تنبع من ارتباطهما بمقياس الجودة، فالشاعر المكثر المجيد مُقدًَّم ـ عند ابن سلام ـ على الشاعر المُقلّ المُجيد، والمُكثر المُجيد المُتعدد الأغراض مُقدَّم على المكثر المجيد الذى لم يَقُل إلاّ في غرض أو اثنين، أما كثرة الشعر وتنوع أغراضه فإنهما لا يجعلان الموصوف بهما مُقدّمًا إذا كان شعره رديئًا. لذلك نرى ضرورة التعرف على كيفية حكم ابن سلام على الشعر بالجودة، وما هى أسس تلك الجودة حين يقول ـ مثلًا ـ:"كان قُرَاد بن حَنَش من شعراء غطفان، وكان قليل الشعر جيِّدَه [4] "، أو يقول في حسان بن ثابت:"وهو كثير الشعر جيده [5] "، أو يقول:"وكان الأسْودُ شاعرًا فَحْلًا، وكان يُكثِر التنقُّل في العرب يُجاوِرهم، فيَذمُّ ويَحْمَدُ، وله في ذلك أشعارٌ. وله واحدةٌ رائعةٌ طويلةٌ، لاحقةٌ بأجْودِ الشعر، لو كان شَفَعها بمثلها قدَّمناه على مرتبته [6] ".

إذن ما هى المقاييس التى استند إليها ابن سلام وهو يصدر الحكم بالجودة فيقدم شاعرًا على آخر، أو يقرن شاعرًا بآخر؟

ــ لم ينكر ابن سلام جهود السابقين ونظراتهم في الشعر والشعراء، بل يكاد الاعتماد على آراء أهل العلم والخبرة أن يكون أهم مقاييس الجودة عنده، هذا ما يقرره ابن سلام في مقدمة

(1) السابق 1/ 137.

(2) السابق 1/ 155.

(3) السابق 2/ 545.

(4) السابق 2/ 733.

(5) السابق 1/ 215.

(6) السابق 1/ 147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت