تشابه شعره منهم إلى ُنَظرائه، فوجدناهم عشر طبقات، أربعة رهط كل طبقة، مُتَكافِئين مُعْتِدلين. [1] "، وقال في موضع آخر:".. ثم إنا اقتصرنا ـ بعد الفحص والنظر والرواية عمن مضى من أهل العلم ـ إلى رَهْطٍ أربعة، اجتمعوا على أنهم أشعر العرب طبقة، ثم اختلفوا فيهم بَعْدُ. وسنسوق اختلافهم واتفاقهم، ونسمِّى الأربعة، ونذكر الحجة لكل واحد منهم ـ وليس تَبْدِئَتُنَا أحدهم في الكتاب نحكم له، ولا بد من مبتدأٍ ـ ونذكر من شعرهم الأبيات التي تكون في الحديث والمعنى [2] .
أولًا: قضية الانتحال:
تعد قضية الشعر الموضوع أبرز القضايا النقدية التي عالجها ابن سلام في كتابه، وهو أول من انتبه إلى خطورة هذه القضية في عصره؛ ذلك العصر الذى ازدهرت فيه حركة التدوين، حيث اهتم علماء العربية بجمع العلوم والمعارف العربية والإسلامية من أفواه الرواة، وعكفوا على تحقيقها والتأكد من صحة روايتها وتخليصها مما علق بها من أغاليط الرواة ووضع الوضَّاعين. وقد لاحظ ابن سلام أن بعض الشعر الجاهلى الذى يتناقله الرواة مصنوع، واستدل على ذلك بدليلين، أولهما: عدم وجود قرينة على انتماء بعض ما يتداوله الرواة مكتوبًا إلى العصر الجاهلى، فهو لم يأت مرويًا عن أهل البادية، ولم يعرض على علماء العربية الثقات. وثانيهما: يعود إلى ضعف مستوى ذلك الشعر، فهو شعر"مصنوعٌ مُفْتَعَلٌ موضوعٌ كثير لا خيرَ فيه، ولا حُجَّةَ فىعَرَبِيَّةٍ، ولا أدبٌ يُستفاد، ولا معنىً يُسْتخرج، ولا مَثَلٌ يُضْرَب، ولا مديحٌ رائعٌ، ولا هجاءٌ مُقْذِعٌ، ولا فخرٌ مُعْجِبٌ، ولا نسيبٌ مُسْتَطْرَفٌ .. [3] "، ومن هؤلاء الرواة نجده ينتقد محمد بن إسحق صاحب السيرة، إذ يرى أنه هجَّن الشعر وأفسده وأورد في كتابه أشعارًا لأناس لم يقولوا الشعر قط، بل أورد أشعارًا ترجع إلى قوم عاد وثمود، قال:"كتب في السِّيَر أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء فضلًا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عادٍ وثمودَ، فكتب لهم أشعارًا كثيرة، وليس بشعر، إنَّما هو كلامٌ مؤلَّفٌ معقودٌ بقَوَافٍ [4] "، الأمر الذى جعل ابن سلام ينفى هذا الشعر، ويرفضه؛ مبينًا الأدلة التي تستدعى رفضه، وهى:
1 ـ أدلة قرآنية: وتتمثل فيما جاء في القرآن الكريم من آيات عديدة تتحدث عن الأمم السابقة وانقطاع دابر بعضها، فالله ? يقول: ? وأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الأُولَى وثَمُودَ فَمَا أبْقَى ? [5] ويقول في عاد ? فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِن بَاقِيَةٍ ? [6] فإذا كان الله ? قد أهلك قوم عاد وثمود جميعًا فمن إذن حمل هذا الشعر؟، ومن أدَّاه منذ آلاف من السنين؟ [7] .
(1) السابق 1/ 24.
(2) السابق 1/ 49، 50.
(3) السابق 1/ 4.
(4) السابق 1/ 8.
(5) سورة النجم، الآية 50، 51.
(6) سورة الحاقة، الآية 8.
(7) انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 8.