2 ـ أدلة تاريخية: وتتمثل في رجوع ابن سلام إلى تاريخ اللغة العربية؛ واختلاف لهجات العرب، وكذلك إلى تاريخ الشعر العربى، حيث يرى:
ـ أن اللغة العربية لم تكن موجودة في عهد عاد وثمود، وليس يصح في الأذهان أن يوجد شعر بلغة لم توجد بعد. فأول من تكلم بالعربية هو إسماعيل بن إبراهيم واسماعيل كان بعد عاد وثمود [1] .
ـ أن الشعر الموضوع ـ المنحول ـ الذى نسبه الرواة إلى قوم عاد لا يمثل لغة عاد، فعاد من اليمن؛ ولسان اليمانيين يختلف عن هذا اللسان العربى، ويستدل ابن سلام على ذلك بقول أبى عمرو بن العلاء:"العرب كلُّها وَلَدُ اسماعيلَ، إلاّ حِمْيَرَ وبقايا جُرْهُم [2] "، وقوله:"مالسانُ حِمْيَرَ وأقاصِى اليمن اليوم بلساننا ولا عربيَّتهم بعربيَّتنا [3] "ويقيم الحجة على رواة تلك الأشعار الموضوعة فيقول:"فكيف بما على عهد عاد وثمود، مع تداعيه وَوَهْيِه؟ فلو كان الشعر مثل ما وُضِع لابن إسحاق، ومثل ما روى الصُّحُفِيُّون، ما كانت إليه حاجة، ولا فيه دليل على علم [4] ".
ـ أن تاريخ الأدب العربى لا يذهب بالشعر الجاهلى إلى ذلك العصر الموغل في القدم، بل إن ازدهار الشعر لم يكن قبل الإسلام بكثير،"ولم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حَاجتِة، وإنَّما قُصّدَتْ القصائد، وطُوِّلَ الشعر في عهد عبد المطلب وهاشم بن عبد مناف، وذلك يدلّ على إسقاط شعرِ عادٍ و ثمودَ وحِمْيَرَ وتُبَّع [5] ."
ثم يحدد ابن سلام الأسباب التى جعلت العرب تصنع الشعر وتنسبه لأناس لم يقولوه، فيرى أن الانتحال يرجع إلى عاملين:
الأول: العصبية القبلية في العصر الاسلامى: إذ حرصت بعض القبائل العربية على أن تضيف لإسلامها ضروبًا من المكانة والمجد، فوجدت في الشعر ضالتها. ومعلوم أن الشعر الجاهلى قد ضاع منه الكثير، قال أبو عمرو بن العلاء:"ما انتهى إليكم ممَّا قالت العرب إلاّ أقُّله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير [6] ". أما أسباب ضياع ذلك الشعر فقد بيَّنها ابن سلام في قوله:"فجاء الإسلام، فتشاغلت عنه العرب بالجهاد وغزو فارس والروم، ولَهَتْ عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنَّت العرب بالأمصار، وراجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مُدوَّن ولا كتاب مكتوب، وألْفَوا ذلك وقد هلك من العرب مَنْ هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير [7] ". لذلك لاحظ ابن سلام قيام بعض القبائل التى قَلَّ نصيبها فيما بقى من شعر بالوضع على ألسنة شعرائهم، يقول ابن سلام:"فلما راجعت العرب رواية الشعر، وذِكر أيامها ومآثرها، استقلَّ بعض العشائر شعر شعرائهم،"
(1) يقول ابن سلام:"أوَّل من تكلم العربية ونَسِى لسانَ أبيه إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما". طبقات فحول الشعراء 1/ 9.
(2) السابق 1/ 9.
(3) السابق 1/ 11.
(4) السابق 1/ 11.ويقول ابن سلام في معرض ذكره لأبى سفيان بن الحارث:"ولسنا نعد ما يروى ابن إسحق له ولا لغيره شعرًا، ولأن لا يكون لهم شعر، أحسن من أن يكون ذاك لهم". السابق 1/ 247.
(5) السابق 1/ 26.
(6) السابق 1/ 25.
(7) السابق 1/ 25.