الفرزدق وجرير، حيث يقرن الفرزدق بامرئ القيس والأعشى، ويميِّز جريرًا عنهم فيقول:"وكان جرير مع إفراطه في الهجاء يعفُّ عن ذِكر النساء، كان لا يُشَبِّبُ إلاّ بامرأةٍ يملكُها [1] ".
ــ التشابه: وضع ابن سلام هذا المقياس في حسبانه وهو يشرع في تصنيف طبقاته، فقال في مقدمة كتابه:"فألَّفنا من تشابه شعره منهم إلى نُظَرائه، فوجدناهم عشر طبقاتٍ، أربعة رَهط كل طبقة، مُتَكافِئين مُعْتدِلين [2] "، وقد لاحظنا أثر هذا المعيار في معظم طبقاته، إضافة إلى ما تجلّى في موازناته بين بعض شعراء الغرض الواحد من طبقات مختلفة، من ذلك ما يُلاحَظ في موازنته بين جميل بن مَعْمَر وكُثيِّر عزة في فن النسيب، وبين جرير والفرزدق في فن النقائض .. وغيرهم، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل رأيناه يفرد طبقة لمن برزوا في غرض واحد من أغراض الشعر، وهى طبقة أصحاب المراثى [3] . وهنا نلاحظ اكتفاء ابن سلام بذكر بعض شعراء المراثى ونسبهم وبعض أخبارهم ونتفًا من أشعارهم، مع أن الاتفاق في الغرض كان يتطلب من ابن سلام الموازنة بين معانيهم وخصائص شعرهم، ثم المفاضلة بينهم.
ومن قبيل التشابه أيضًا؛ ما نراه في تخصيص الطبقة التاسعة من طبقات فحول الإسلام للحديث عن أربعة من الرُّجَّاز. وقد حاول ابن سلام الموازنة بين شعراء هذه الطبقة، فأورد بعض آراء العلماء في الموازنة بين بعض سمات رجزهم، فقال:"قال أبو عمرو بن العلاء: كان أبو النَّجْم أبلغَ في النَّعت من العَجّاج [4] ".
ــ النسب: قد لا يكون لصلة القُربى كبير تأثير في الجمع بين رؤبة والعجاج، ولكنها واضحة التأثير في حديث ابن سلام عن شعراء الطبقة الثانية من فحول الجاهليين، حيث نراه يستذكر زهير بن أبى سلمى في أثناء حديثه عن ابنه كعب، كما يستذكر بعض شعر أخيه بجير، واستنادًا إلى مقياس التشابه نجده يقرن ذكر جرير وذريته بذكره لزهير، فيقول:"ولم يزل في ولَدِ زهير شعر. ولم يتصل في وَلَد أحد من فحول الجاهلية ما اتصل في ولد زهير، ولا في ولد أحد من الإسلاميين ما اتصل في ولد جرير [5] ".
أكد ابن سلام في غير موضع من طبقاته على ضرورة التخصص؛ وأقام الحجة على مَن أنكر ذلك بأكثر من طريقة؛ من ذلك مقولة خلف الأحمر لمن أنكر أهمية التخصص:"وقال قائل لخلف: إذا سمعتُ أنا بالشعر أستحسنُهُ فما أبالى ما قلتَ أنت فيه وأصحابك. قال: إذا"
(1) السابق 1/ 46.
(2) السابق 1/ 24.
(3) السابق 1/ 203.
(4) السابق 2/ 753. وانظر: 2/ 761.
(5) السابق 1/ 110.