أخذت درهمًا فاستحسنته، فقال: لك الصَّرَّاف إنه ردئ! فهل ينفعك استحسانُك إيّاهُ؟ [1] ". وكذلك إشارته إلى الأخطاء التى تصدر عن غير المختصين الذين يتصدون للشعر وروايته في مثل قوله:"وجدنا رواة العِلم يغلطون في الشعر، ولا يضبط الشعر إلا أهله [2] "."
وذكر الشروط الواجب توافرها في الناقد فشدَّد على أهمية الذوق والاستعداد الفطرى، وبيّن أثر الدربة والممارسة في العملية النقدية فقال:"وللشعر صَناعة وثقافة يعرفها أهل العلم، كسائر أصناف العلم والصَّناعات: منها ما تَثْقَفهُ العين، ومنها ما تَثْقَفهُ الأُذن، ومنها ما تَثْقَفه اليد، ومنها ما يَثْقَفه اللسان. من ذلك اللؤلؤ والياقوت لا تعرفه بصفة ولا وزن، دون المعاينة ممن يبصره ومن ذلك الجَهْبَذَةُ بالدينار والدرهم، لا تُعرَف جَوْدتُهما بلونٍ ولا مَسٍّ ولا طِرَازٍ ولا وَسْمٍ ولا صفة، ويعرفه الناقد عند المعاينة [3] ".
إن العلم بالشعر وضوابطه الفنية على أهميته عند ابن سلام لايغنى أبدًا عن الذوق؛ تلك الخاصية الجوهرية التى لاتتسنى للناقد بالتلقين أو التعلم، وإنَّما تُكتسب بطول المران والممارسة العملية، والتى يستند إليها الناقد المتمرس في تمييز مستويات الجودة التى لا تخضع لضابط فنى دقيق يعين على شرح أسبابها، من ذلك ما نراه في أمثلة ابن سلام التى نورد منها قوله:"وكذلك بَصَرُ الرقيق، فتوصف الجاريةُ فيقال: ناصعَةُ اللون، جيِّدة الشَّطْب، نقيَّةُ الثَّغر، حسنة العين والأنف، جيّدة النُّهُود، ظريفَةُ اللسان، واردة الشَّعَر، فتكون في هذه الصفة بمئة دينار وبمئتى دينار، وتكون أخرى بألف دينار وأكثر، ولا يجد واصفُها مزيدًا على هذه الصفة .. ويقال للرجل والمرأة في القراءة والغناء: إنَّه لنَدِى الحَلْق، طَلُّ الصوت، طويل النَّفَس، مصيبٌ للَّحْن، ويوصف الآخر بهذه الصفة، وبينهما بون بعيد، يعرف ذلك العلماء عند المعانية والاستماع له، بلا صفة يُنْتَهَى إليها، ولا علم ُيوقَف عليه وإن كثرة المدارسة لتُعْدِى على العلم به. فكذلك الشعر يعلمه أهل العلم به [4] ".
إن حديث ابن سلام السابق عن أهمية الذوق في إتمام العملية النقدية والوصول بها إلى منتهاها لايحجب أهمية الثقافة التى ينبغى أن يتسلح بها الناقد، كما أنه لا يعفى من التأكيد على أهمية التجربة والممارسة. وإن عدم توسع ابن سلام في الحديث عن صنوف الثقافة التى يحتاج إليها الناقد إنَّما مرده علم ذوى الإختصاص بتلك الصنوف ـ"للشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم .."ـ، وكذلك الحال بالنسبة للتجربة والممارسة.
وهكذا فإن الذوق الذى يتمثل عند ابن سلام ـ كما رأينا في الأمثلة السابقة ـ في المقدرة الفائقة على ممارسة العملية النقدية والتمييز بين أدق الخصائص الفنية، إنَّما يقوم على ثقافة
(1) السابق 1/ 7.
(2) السابق 1/ 60. ومعنى الجَهْبَذَة بالدينار والدرهم: نقد الزيوف والصحاح منها.
(3) السابق 1/ 5. ومعنى جيدة الشَّطْب: أى معتدلة القامة ـ وواردة الشَّعْر: أى شعرها طويل يرد كفلها ـ ومعنى طَلُّ الصوت: أى حَسنه وعذبه، والمراد من ذلك بهيج النغمة.
(4) السابق 1/ 6، 7.