خاصة، واستعداد فطرى، وينمو ويتطور بكثرة المران والممارسة التى هى في المحصلة النهائية إضافة نوعية لرصيد الناقد الثقافى، وتنمية عملية لمهارته النقدية.
أثار ابن سلام العديد من القضايا الهامة التى تتصل باللغة العربية ولهجاتها، والنحو العربى ونشأته وتطور مباحثه، وكذلك الشعر العربى وأهميته ورحلة تطوره؛ وأثر الإسلام فيه، وأول من اهتم بجمعه وتدوينه، وتطرق لعلم العروض فذكر الخليل بن أحمد الفراهيدى وسبقه في وضع العروض وتفوقه في استنباط علله [1] ، فهو في مجال اللغة والنحو العربى أول من أرخ لنشأة النحو حيث تحدث عن البصرة وسبقها في هذا المجال؛ وذكر مبررات نشأة النحو والحاجة إليه، وتتبع تطور مباحثه وجهود علماء العربية فقال:"وكان لأهل البصرة في العربية قُدْمَةٌ، وبالنحو ولُغات العرب والغريب عناية. وكان أول من أسّسَ العربية، وفتح بابها، وأنْهَجَ سبيلها ووضع قياسها: أبو الأسود الدُّؤَلى .. فكان سَرَاة الناس يلحَنُون، ووجوهُ الناس، فوضع باب الفاعل والمفعول به، والمضاف، وحروف الرفع والنصب والجر والجزم. وكان ممن أخذ عنه يحى بن يَعْمَر .. [2] ". وفى أثناء تمثيله لبعض الأخطاء التى وقع فيها سَرَاة القوم وفيهم الأدباء والشعراء؛ حرص ابن سلام على تتبع مجهودات علماء العربية والإشارة إلى ما يميز كل منهم بمثل قوله:"ثم كان من بعدهم عبدُ الله بن أبى إسحاق الحضرمىّ، وكان أوَّل من بعج النحو، ومدَّ القياس والعلل. وكان معه أبو عمرو بن العلاء، وبقى بعده بقاءً طويلًا. وكان ابن أبى إسحاق أشدَّ تجريدًا للقياس، وكان أبو عمرو أوسعَ علمًا بكلام العرب ولُغاتِها وغريبها [3] ".
أما في مجال الشعر فقد تحدث ابن سلام عن نشأة الشعر العربى وكيف بدأ بأبيات يقولها الرجل في حاجته؛ وكيف تطور شكل القصيدة في عصر عبد المطلب وهاشم بن عبد مناف؛ حيث قُصِّدت القصائد وطُوِّل الشعر [4] ، ثم يرى ابن سلام أن"أول من قَصَّد القصائد وذكَرَ الوقائع، المُهَلْهِلُ بن ربيعة التَّغْلَبِىُّ في قتل أخيه كُلَيْبِ وائلٍ ـ قتله بنو شيبان ـ وكان اسم المهلهلِ عَدِيًّا، وإنما سُمَّى مُهَلْهِلًا لهَلهَلة شِعرِه كهلهلة الثوب، وهو اضطرابُه واختلافُه، ومن ذلك قول النابغة:"
أتاكَ بقولٍ هَلْهَلِ النَّسْجِ كاذِبٍ ولم يَأت بالحقِّ الذى هو ناصعُ [5] "."
ورغم موافقة الكثير من المتقدمين لرأى ابن سلام هذا [6] ؛ إلا أننا لا ننكر وجاهة رأى محمود شاكر محقق كتاب الطبقات؛ الذى يقول:"هكذا يرى ابن سلام وغيره من المتقدمين. وهو"
(1) راجع: طبقات فحول الشعراء، 1/ 12 ـ 25، 1/ 48.
(2) السابق 1/ 12، 13. ومعنى بعج النحو: أى شقَّه ووسَّعه ـ ومعنى مد القياس والعلل: وسَّع أُصول قياس العربية وأحكامها، وبين علل النحو ـ ومعنى أشد تجريدًا للنحو: أى أشد معرفة لحقائقه واجتهادًا في ضبطه.
(3) السابق ا/14.
(4) السابق 1/ 26.
(5) السابق 1/ 39.
(6) راجع مثلًا: ــ ابن قتيبة: الشعر والشعراء، تحقيق أحمد محمد شاكر، ط 3 دار المعارف ... المصرية 1977 م،1/ 303.
ــ المرزبانى: الموشح، تحقيق على محمد البجاوى، ط. دار الفكر العربى. ... القاهرة، ص 94.