عندى باطل، فالشعر أقدم مما يزعم، وطويله أعتق مما يتوهم. وليته قال هنا ما قاله منذ قليل في سبب ذهاب شعر عَبيد وطَرَفَة، أن قدمهما كان السبب في قلة ما روى عنهما. فإذا صح ذلك، فمن كان قبلهما أجدر أن يذهب من كلامه أكثر مما ذهب من كلامهما [1] "، حيث نجد من القدماء من يزعم أن الأَفْوَه الأَوْدِىّ هو أول من قصد القصيدة؛ أو أنه ابن حَذَام [2] ."
وقد حدد ابن سلام القوم والبيئة التى نشأ فيها الشعر العربى وازدهر، فذكر أن بدايته كانت في ربيعة ثم تحول إلى قيس ثم إلى تميم ولم يزل فيهم [3] .
أما وعيه بأثر البيئة على الشعر والشعراء فجعله يصرح بأن البيئات ليست سواء في انتاج الشعر [4] ، وأن سهولة شعر عدى بن زيد ترجع لاستقراره في بيئة ريفية [5] كما أن خشونة شعر سُحَيم بن وثِيل الرِّياحى مرجعها سكناه البادية [6] .
أما الظروف الإجتماعية والسياسية فلها دور بارز في إنتاج الشعر، إذ يرى ابن سلام أن الشعر يكثر في الحروب؛ ويدلل على ذلك بحرب الأوس والخزرج وكثرة ما قيل فيها من شعر، أما قريش فإن سبب قلة شعرها"أنه لم يكن بينهم ثائرة، ولم يحاربوا. وذلك الذى قلل شعر عُمان وأهل الطائف [7] "
فى ميزان النقد:
يمثل كتاب ابن سلام البداية الحقيقية للنقد الأدبى المنظم عند العرب، وقد تصدى صاحبه لشريحة كبيرة من الشعراء ـ مائة وأربعة عشر شاعرًا ـ؛ هى شريحة الفحول. لذلك فإنه من البدهى أن يقع من يتصدى لمثل هذا العمل الجليل في الكثير من الأخطاء وأن يُسجل عليه العديد من المآخذ.
أما الأخطاء التى وقع فيها ابن سلام فينحصر معظمها في ترتيب الطبقات، من ذلك مثلًا: أنه وضع بَشَامة بن الغدير المُرِّىّ في الطبقة الثامنة من طبقات الإسلاميين [8] مع أنه جاهلى [9] . ومع ذلك فقد نجد فيما سبق ذكره عن القربى ومراعاتها أحيانًا في التأليف بين شعراء الطبقات ما يبين سبب وقوعه في هذا الخطأ حيث ذكره مقرونًا بثلاثة شعراء إسلاميين من بنى مرة [10] . وهنا لابد من القول أن ابن سلام لا يجهل حقيقة أن بشامة جاهلى يؤكد ذلك ما أورده من قصة توزيع تركته وكيف جعل الشعر من نصيب ابن أخته زهير بن أبى سلمى [11] .
وقد ذكر المرحوم طه إبراهيم خطأ ابن سلام في تصنيف بشامة بن الغدير مقرونًا بذكر أبى زبيد الطائى فقال: ولسنا ندرى كيف جاء بَشَامة بن الغدير وأبو زبيد الطائى في طبقات الإسلاميين، مع أنهما جاهليان [12] ". والصواب أن أبا زبيد شاعر مخضرم استعمله عمر بن الخطاب رضى الله عنه على صدقات قومه [13] ."
(1) السابق 1/ 26"ذيل الصفحة".
(2) انظر: جلال الدين السيوطى، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، شرح وتحقيق محمد أحمد جاد المولى وآخرين، طبعة دار إحياءالكتب العربية، 2/ 477. والأَفْوَه الأَوْدِى هو: صلاءة بن عمرو بن مالك.
(3) طبقات فحول الشعراء 1/ 40.
(4) السابق 1/ 215.
(5) السابق 1/ 140.
(6) السابق 2/ 576، 577.
(7) السابق 1/ 259.
(8) السابق 2/ 709.
(9) راجع ترجمة بشامة بن الغدير فى: ـ المفضليات، تحقيق أحمد محمد شاكر، ط.5 دار المعارف المصرية، المفضلية 10 ص 55، ـ العمدة، تحقيق محمد قرقزان، ط 1 دار المعرفة. بيروت 1988 م، 2/ 987 (الهامش) .
(10) وهم: عقيل بن علفة وشبيب بن البرصاء وقراد بن حنش، وجميعهم من بنى مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان. الطبقات 2/ 709.
(11) الطبقات 2/ 719.
(12) تاريخ النقد الأدبى عند العرب، ط. المكتبة العربية، لبنان 1981 م، ص 88
(13) أبو زبيد الطائى، هو حَرْمَلة بن المنذر شاعر مخضرم؛ كان نصرانيًا وأسلم في عهد عمر بن الخطاب. راجع: تاريخ الطبرى، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط 4 دار المعارف المصرية، 4/ 273. وانظر: طبقات فحول الشعراء، 2/ 593 ذيل الصفحة.