ومن ذلك أيضًا أنه جعل مخضرمى الجاهلية والإسلام ككعب والحطيئة والنابغة الجعدى ولبيد والكُمَيْت بن مَعْرُوف الأسَدىّ وسُحَيْم عَبد بنى الحَسْحاس .. في طبقات الجاهليين [1] دون أن يقدم سببًا واحدًا يبرر فيه عمله هذا؛ خاصة أنه لم ينس للحظة أنهم من المخضرمين ـ من ذلك ـ مثلًا قوله في ترجمة النابغة الجعدى:"وكان النابغة قديمًا، شاعرًا مفلقًا، طويل البقاء في الجاهلية والإسلام .. [2] "، وقوله عن سُحَيْم عبد بنى الحَسْحَاس"وأنْشَد عُمرَ بن الخطّاب قولَهُ:"
عُمَيرَةَ وَدِّع، إِن تَجَهَّزْتَ غَادِيَا كَفَى الشَّيْبُ والإسلامُ للمرءِ نَاهِيَا [3]
ولو افترضنا أنه يراعى في تصنيفهم العصر الذى كثر فيه شعرهم أو جاد كما رأينا في تقديمه للنابغة الجعدى أنه كان شاعرًا مفلقًا؛ لكان من المحتم عليه أن يضع بعضهم في طبقات شعراء الإسلام، ككعب مثلًا ...
ولكنى أرى أنه لم يخطط لذلك ولم يستند في عمله هذا إلى أسس نقدية، وإلا فلماذا وضع مجموعة من هؤلاء المخضرمين مع شعراء القرى العربية؛ كحسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وغيرهم [4] ، ولماذا أخرج شعراء القرى العربية وشعراء المراثى من طبقات شعراء العصرين: الجاهلى والإسلامى، ولماذا لم يقرنهم بنظرائهم في الطبقتين؟ ولم ينزلهم منازلهم من شعراء العصرين؟!
قد يكون له بعض العذر في جعل شعراء المراثى في طبقة مستقلة لما لهذا اللون من الشعر من تميز في الخصائص؛ خاصة إذا أخذنا في الحسبان غلبة العاطفة وقوتها وما لها من خصوصية وتمَيُّز. أما في إفراد طبقة لشعراء القرى العربية فأعتقد أن الصواب لم يحالف ابن سلام مرتين، مرة حينما خصها بهذه الطبقة المستقلة دون مبرر، والثانية حينما ذكر اليَمَامة مع القرى العربية ـ مكة والمدينة والطائف والبحرين ـ خاصة أنه لم يجد شيئًا يذكره عن شعراء اليمامة وشعرهم، حيث اكتفى بالقول:"ولا أعرِفَ باليَمَامة شاعرًا مَذْكورًا" [5] .
ومما يؤخذ عليه أيضًا أنه لم يكن منصفًا حينما جعل كبار الرجّاز ـ الأَغْلَب العِجْلّىّ، وأبا النَّجْم الفضل بن قُدَامَة العِجْلىّ، والعَجَّاج، ورُؤْبة بن العَجَّاج ـ في الطبقة التاسعة من الشعراء الإسلاميين، وأرى أن ابن سلام يكشف في هذا التصنيف عن موقفه من الرجز والرجّازين ويدلل بطريقة تطبيقية على صحة ما ذهب إليه أهل عصره الذين جعلوا الرجز في منزلة أدنى من منزلة باقى بحور الشعر العربى [6] ، وكان من الأجدر به أن يفرد للرجّازين طبقة كتلك التى أفردها لشعراء المراثى، لما لهذه الطبقة من تفرد وتميز في السمات والخصائص [7] .
(1) راجع الطبقات: 1/ 99، 1/ 104، 1/ 123، 1/ 135، 1/ 172، 1/ 189.
(2) السابق 1/ 123.
(3) السابق 1/ 187. راجع ترجمة سُحَيم في الأصمعيات، تحقيق أحمد محمد شاكر وعبد السلام محمد هارون، ط 4. دار المعارف بمصر، الأصمعية الأولى، ص 17.
(4) السابق 1/ 215 ـ 228.
(5) السابق 1/ 277.
(6) خولة تقي الدين الهلالى: دراسة لغوية في آراجيز رؤبة والعجاج، ط. دار الرشيد للنشر، العراق ... 1982 م، 1/ 22.
(7) راجع: السابق 1/ 18 ـ 19.