ومما أخطأ فيه ابن سلام أنه جعل كل طبقة أربعة شعراء دون أن يقدم ما يقنع من المبررات التى تجعلنا نوافقه على أنهم أربعة لا أقل ولا أكثر، وقد أدرك ابن سلام خطأه هذا حين اضطر إلى تأخير منزلة بعض الشعراء من طبقة إلى أخرى أدنى منها ليس لشئ إلا لأن عدد شعراء الطبقة أكمل الأربعة، من ذلك ـ مثلًا ـ إقراره بأن أوس بن حجر يستحق أن يكون في الطبقة الأولى من طبقات الشعراء الجاهليين لأنه يتوافق وشرطه الوحيد في بناء كل طبقة، ذلك الشرط الذى وضعه في مقدمة طبقاته حين قال:"أربعة رَهْط كلّ طبقة، مُتَكافِئين مُعْتِدلين [1] "، فاستدعت موضوعيته الاعتراف بهذا الخلل حين وضع أوسًا في الطبقة الثانية حيث قال:"وأوس نظير الأربعة المتقدمين، إلا أنَّا اقتصرنا في الطبقات على أربعة رهط [2] ."
وهنا يمكننا القول إنه كان حرى بابن سلام أن يجعل كتابه ثلاثة أقسام: قسم لطبقات شعراء الجاهلية، والثانى لطبقات الشعراء المخضرمين، والثالث لطبقات شعراء الإسلام، وأن يجعل طبقاته في كل قسم ثلاث، الطبقة الأولى للمبرزين؛ والثانية للمتوسطين؛ والثالثة للمتأخرين ولو فعل ذلك لما اضطر إلى سرد أسماء الشعراء في نهاية طبقاته دون شاهد أو دليل [3] ". أما المآخذ التى يمكن تسجيلها على طبقات ابن سلام فإن أول ما نذكره منها ملاحظة المرحوم طه إبراهيم الذى يرى طغيان عقلية ابن سلام العلمية على ملكته الأدبية في تحليل النصوص الشعرية؛ إذ يقول:"وإذا كان ابن سلام بارعًا كل البراعة في تناول المسائل الأدبية من جميع أطرافها، فإن ملكته الأدبية في تحليل الشعر وتذوقه لا تكاد تظهر فيما كتب؛ ملكته الأدبية أضعف بكثير من ملكته العلمية [4] "."
ورغم ما تنطوى عليه هذه المقولة من صحة إلا أننا لا نغفل أهمية قول طه إبراهيم"ولكننا لا نجده يتقدم في تذوق الأدب خطوة عن الذين عاصروه أو سبقوه [5] "فهو يومئ بموضوعية وإنصاف إلى أن ما سبق أن لاحظه لا يغض من قيمة عمل ابن سلام الذى لم يكن بدعًا بين معاصريه، فهو رغم ما يتوقع منه من تفوق على معاصريه في تحليل النصوص إلا أنه لم يعزله عن طبيعة عصره وعن نقود معاصريه التى طبعت غالبًا بطابع التعميم.
أما قول طه إبراهيم في التدليل على عمومية أحكام ابن سلام وعدم دقتها:"بل لقد نرى له أحيانًا كلاما عاما لا يحدّد ذوقا خاصا، ولا يُشعر بتفهم النصوص على النحو المقنع، وقلّما نظفر بشئ دقيق حين نتتبع آراء ابن سلام فيما يتصل بالشعر، فأبو ذُؤيب الهذلى شاعر فحل لا غَميزة فيه ولا وَهَن. وعبد بنى الحسحاس حلو الشعر، رقيق حواشى الكلام. والبعيث فاخر الكلام حر اللفظ. ما هى حلاوة الكلام؟ ما رقة الحواشى؟ والغميزة والوهن في الشعر؟ كل أولئك على شئ من الغموض مهما آمنا بصعوبة التحديد في الفنون [6] ". فهو قول قد
(1) ابن سلام: السابق 1/ 24.
(2) السابق 1/ 97.
(3) انظر: طه إبراهيم: تاريخ النقد الأدبى عند العرب، المكتبة العربية. لبنان 1981 م، ... ص 87 - 88
(4) تاريخ النقد الأدبى عند العرب، ص 86. وانظر: محمد مندور: النقد المنهجى عند العرب، ط. دار نهضة مصر، ص 20
(5) تاريخ النقد الأدبى عند العرب، ص 86.
(6) طه إبراهيم، السابق، ص 86