يتصف بالموضوعية إذا حاولنا فهمه بمنأى عن عصر ابن سلام ومصطلحاته النقدية، أما إذا أرجعناه إلى عصر ابن سلام وما اشتهر فيه من المصطلحات النقدية؛ فهو بالضرورة يعد في رصيد ابن سلام الذى"جمع ما عرف العلماء والنقاد من مصطلحات نقدية كثر تداولها بينهم [1] "، وفى رأيي أن عدم وضوح دلالة المصطلح لا تعد مسئولية ابن سلام الذى خاطب أهل زمانه بمصطلحات أظنهم لا يجهلون دلالتها، بل كأنى بهم قد تفّهموا معنى رقة الحواشى ومتى يكون اللفظ والكلام فاخرًا واصطلحوا على ماهية حلاوة الكلام ومتى تكون في الشعر غَميزة أو يتصف بالوَهَن. نعم قد تكون هذه المصطلحات غير واضحة الدلالة بالنسبة لنا في العصر الحاضر ولكنها كانت معلومة الدلالة في عصر ابن سلام.
ومما أُخذ على ابن سلام أنه انفرد من بين العلماء بإضافة الراعى النميرى إلى الثلاثة الإسلاميين؛ جرير والفرزق والأخطل؛ وعده في طبقتهم، وسبب ذلك كما يقول المرحوم طه ابراهيم أن ابن سلام"لم يستند إلى حجة، ولم يقم دليلًا، ولم يذكر في كلامه على الراعى شيئًا يسوّغ هذا التقديم [2] ".
وقد سبقت الإشارة إلى اعتداد ابن سلام بالسبق والابداع في تصنيف شعراء طبقاته، وقد رأيناه يبرر تقديم امرئ القيس على غيره من الشعراء بأنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها [3] . وقد برر تقديمه للراعى النميرى وجعله مع شعراء الطبقة الأولى من طبقات الإسلام بقوله:"كأنه يَعْتَسِف الفَلاة بغير دليل! أى أنه لا يحتذى شعر شاعر ولا يعارضه [4] ". فهو إذن مقدم لأنه مبتدع، وهذه إن كانت جرأة من ابن سلام ومخالفة لما أجمع عليه العلماء، فهى جرأة محمودة تحسب له وتدفع عنه بعض ما أخذ عليه من الإتباع في إصدار الأحكام.
كذلك أُخذ على ابن سلام أنه"لم يتصد لذكر الشعراء الذين عاصروه كمروان بن أبى حفصة، وأبى نواس، وبشار، ومسلم بن الوليد، وأبى تمام، ولم يحاول أن يقسمهم طبقات كما فعل بالجاهليين والإسلاميين، ولا أن يُصرّح برأيه في واحد منهم [5] "، وقد حاول بدوى طبانه تبرير هذا الأمر بأن ابن سلام كان"يستعين في تأليفه ويستظهر على آرائه بآراء العلماء الذين يثق بهم، ويعتمد على آرائهم في شعراء قد قضوا نحبهم، وأصبح تراثهم الشعرى ملكًا للعلماء والنقاد يقولون فيه ما شاءوا، أما الشعراء الذين عاصرهم ابن سلام فلم تكن الأقوال قد تبلورت بعد بحيث يعتمد عليها. ولعل أولئك العلماء كانوا يخشون مما قد ينالهم من أولئك الشعراء من الهجو المقذع إذا عرضوا لشعرهم بالنقد والتحليل والإشارة إلى مواطن الضعف فيه، فضنوا بأعراضهم أن يمتهنها الشعراء [6] ".
(1) محمد زغلول سلام: تاريخ النقد العربى، ط. دار المعارف بمصر، ص 108
(2) تاريخ النقد الأدبى عند العرب، ص 87
(3) طبقات فحول الشعراء، 1/ 55
(4) السابق، 1/ 502
(5) بدوى طبانه، ص 173. وانظر احسان عباس، ص 79
(6) دراسات في نقد الأدب العربى، ط. الخامسة، الأنجلو المصرية 1969، ص 173،174.