عَبْدُ بنى الحَسْحَاس بأنه"حلو الشعر، رقيق حواشى الكلام [1] "، وكذلك وصف القُطامِى بأنه"رقيق الحواشى، حلو الشعر [2] ". حيث لا نستطيع أن نحدد معايير رقة الحواشى ولا ماهيتها. ومع ذلك فإننا لا نعدم وجود بعض المعايير المحددة الدلالة؛ مثل جزالة اللفظ؛ وشرف المعنى وفخامته .. [3] .
ــ والغرض الشعرى وسبل معالجته واستقصائه من الأمور التى أخذها ابن سلام في حسبانه وهو يصنف الشعراء ويحكم على شعرهم بالجودة، من ذلك ـ مثلًا ـ قوله في المديح في شعر كُثَيِّر:"ورأيتُ ابن أبى حَفصَة يُعجبه مذهبه في المديح جدًا، يقول: كان يستقصى المديح [4] ".
ومثله براعة التشبيه الذى نراه أحيانًا أساسًا للمفاضلة بين الشعراء، من ذلك ـ مثلًا ـ قوله:"كان ـ امرؤ القيس ـ أحسن أهل طبقته تشبيهًا، وأحسن الإسلاميين تشبيهًا ذو الرُّمَّة [5] ".
بقى أن نقول اعتمد ابن سلام إلى جانب مقاييسه الثلاثة التى بنى عليها طبقاته مقاييس أخرى بالغة الأثر في بناء بعض طبقاته؛ منها:
ــ البيئة: المكان وأثره في الشعر والشعراء هو أحد المقاييس التى راعاها ابن سلام في أثناء تصنيف طبقاته، حيث نجده يخص شعراء القرى العربية بطبقة مستقلة، ثم يفاضل بين تلك القرى وأثرها في غزارة الانتاج فيقول:"وهى خمسٌ: المدينة، ومكة، والطائف، واليمامة، والبحرين. وأشعرهن قرية المدينة [6] "، وفى موضع آخر نجده يتحدث عن أثر المكان في تشكيل سمات الشعر ـ خاصة اللغوية ـ، حيث يقول في سُحَيْم بن وَثِيل الرِّياحىّ:"وكان الغالب عليه البَدَاء والخُشْنة [7] "، فخشونة شعر وثيل مردها البادية، أما عدى بن زيد فقد اختلفت سمات شعره باختلاف بيئته، حيث"كان يسكن الحِيرة ويُرَاكن الرِّيف، فلان لسانُه وسَهُل مَنْطِقُه [8] ".
ــ العقيدة: استند ابن سلام إلى العقيدة الدينية حين أفرد لشعراء اليهود طبقة مستقلة اشتملت على ثمانية منهم. ويُلاحَظ أنه لم يعن بتحديد مكانة أىّ منهم، سواء منزلته بين شعراء طبقته، أو منزلة طبقته بين الطبقات. كذلك لم يتعرض إلى أثر العقيدة الدينية في شعرهم ومعانيهم [9] .
ــ الأخلاق: كذلك اتضح أثر المعيارالأخلاقى في حديث ابن سلام عن سمات شعر بعض فحول الجاهلية كامرئ القيس والأعشى، حيث يقول:"فكان من الشعراء من يتألَّه في جاهليته ويتعفَّف في شعره، ولايَسْتَبْهِر بالفواحش [10] ، ولا يتهكَّم في الهجاء، ومنهم من كان يَنْعَى على نفسه ويتعهَّر. منهم امرؤ القيس .. ، ومنهم الأعشى [11] ". وكذلك في موازنته بين
(1) السابق 1/ 187.
(2) السابق 2/ 535.
(3) راجع مثلًا: 1/ 56.
(4) السابق 2/ 540. وانظر أيضًا: 2/ 648.
(5) السابق 1/ 55، 2/ 549.
(6) السابق 1/ 215.
(7) السابق 2/ 576، 577.
(8) السابق 1/ 140.
(9) راجع: السابق 1/ 279 ـ 296.
(10) ومعنى"لايَسْتَبْهِر بالفواحش": أى لا يتبجح بذكرها، ويفضح ما حقه أن يُكتم.
ـ ملاحظة: اعتمدنا في شرح الكلمات والعبارات الصعبة على شرح محقق الكتاب.
(11) السابق 1/ 41، 42.