الصفحة 10 من 19

كتابه حين يقول:"واحتججنا لكل شاعر بما وجدنا له من حُجَّة، وما قال فيه العلماء [1] ، وكذلك حين يقول:"ثم إنَّا اقتصرنا ـ بعد الفحص والنظر والرواية عمَّن مضى من أهل العلم ـ إلى رَهط أربعة اجتمعوا على أنهم أشعر العرب طبقة، ثم اختلفوا فيهم بَعْدُ. وسنسوق اختلافهم واتفاقهم، ونسمِّى الأربعة، ونذكر الحجة لكل واحد منهم [2] ". فهو غالبًا ما يستقصى آراء العلماء في منزلة شعراء طبقاته، وأحيانًا يناقش تلك الآراء ويبيّن رأيه فيها. وأمثلة ذلك كثيرة متنوعة، منها قوله في النابغة الجعدى:"كان الأصمعى يمدحه بهذا وينسبه إلى قلة التكلف [3] "، وقوله كان علماؤنا يقولون: أحسنُ الجاهلية تشبيهًا امرؤ القيس، وأحسن أهل الإسلام تشبيهًا ذو الرُّمَّة [4] ".

ومما تجدر ملاحظته في هذا الموضع أن عدم تعقيب ابن سلام على بعض ما يورده من آراء العلماء، إنما يعنى موافقته على تلك الآراء، أو فلنقل عدم تحفظه عليها، وإلاّ لما وجدناه يخالف ما لا يروقه من تلك الآراء في مثل قوله:"وكان كُثَيِّر شاعر أهل الحجاز، وإنهم ليُقَدِّمونه على بعض من قَدَّمنا عليه [5] "، وكذلك قوله في رؤبة بن العجّاج:"وقال بعضهم: إنه أفصحُ من أبيه. ولا أحسِب ذلك حقًا [6] "، ومثل هذه الآراء على قلتها تدلل على إعمال ابن سلام فكره وتقليبه الرأى قبل أن يعتد به ويعتمده [7] .

ــ إن السبق والإبداع مقياس هام من مقاييس الحكم بالجودة عند ابن سلام، حيث رأيناه يبرر تقديم امرئ القيس على فحول شعراء الجاهلية بقوله:"ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها، واستحسنتها العرب، واتبعه فيها الشعراء [8] "، كما نراه يبرر وضع الراعى النميرى في طبقة فحول الإسلاميين الأولى بقوله:"وكان يُقال له في شعره: كأنه يَعْتَسِفَ الفلاة بغير دليل! أى أنه لا يحتذى شعر شاعرولا يعارضه [9] ".

ــ وللمقاييس الفنية العامة أثر واضح في حكم ابن سلام على الشعر بالجودة، وهى كثيرة متنوعة تتصل بلفظ الشعر؛ أو بلغته؛ أو معانيه وصوره .. ، وهى في معظمها عامة تحتاج إلى توضيح وتحديد. ففى مفاضلته بين بيت شعر لجرير وآخر للأخطل؛ نجده يقول:"قال لى معاوية بن أبى عمرو بن العلاء: أى البيتين عندك أجودُ؟ قول جرير:"

أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا وأنْدَى العَالَمِين بُطُونَ راحِ

أم قولُ الأخطل:

شُمسُ العَدَاوَةِ حتى يُسْتَقَادَ لهم وأعْظَمُ النَّاسِ أحْلامًا إذا قَدَرُوا

فقلتُ: بيت جرير أحلى وأسْيَر، وبيت الأخطل أجزل وأرزن [10] "، هكذا نجده يصف بيت جرير بأنه أحلى، ولا ندرى معايير هذا الوصف، أو متى يكون الشعر حلوًا؟!. ومثله وصف"

(1) السابق 1/ 24.

(2) السابق 1/ 49، 50.

(3) السابق 1/ 125.

(4) السابق 2/ 549.

(5) السابق 2/ 540.

(6) السابق 2/ 761.

(7) وليس الأمر كما رآه د. عدنان قاسم حين قال:".. كما أن ابن سلام ذ 1 ته كان غائبًا، فلا يحس القارئ أكثر من كونه جامعًا ومنظمًا ومرتبًا وكأنه جهاز استقبال انعدمت صلاحيته للإرسال ..".

ــ دراسات في النقد الأدبى، ط. الأولى؛ مكتبة الفلاح. الكويت 1988 م، ص 55

(8) السابق 1/ 55.

(9) السابق 1/ 502.

(10) السابق 1/ 494.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت