لكنْ لَمّا وُجِدَتْ المُغايَرَةُ الاعْتِبارِيَّةُ لَمْ يَرْفَعْ [1] بالكُلِّيَّةِ، فاشْتُرِطَ النَّفْيُ [2] ، ولَمْ يُكْتَفَ بِه؛ لأَنَّه لا يَرْتَفِعُ بِهِ التَّفْضيلُ بالكُلِّيَّةِ بِحَسَبِ العُرْفِ؛ إِذْ يَنْقُلُه إِلى جَانِبِ المُفَضَّلِ عليه [3] ؛ لأَنَّ الغَالِبَ أَنَّ كُلَّ مَا يَعْتَرِضُ بَيْنَهُما للتَّفاضُلِ لا يَكُونُ بَيْنَهُما التَّساوي، فَإِذا نُفِيَ التَّفْضيلُ منْ أَحَدِهِما ثَبَتَ في الآخَرِ، لكنْ النَّفْيَ في مَوْضِعِ الإيجابِ لا يُوجِبُ ذلك بِحَسَبِ العُرْفِ أَيْضًا؛ لأَنَّه كَانَ التَّفْضِيلُ اعْتِباريًّا، وقَدْ ارْتَفَعَ ذلك باعْتِبارٍ، فارْتَفَعَ بالكُلِّيَّةِ في ذلكَ المَوضِعِ، ولا يَنْتَقِلُ منْ اعْتِبارٍ إِلى آخَرَ لِعَدَمِ دلالَةِ [3 و] الدّليلِ العُرْفِيِّ عليه حَيْثُ لا يَغْلِبُ التَّفاوُتُ في الواحِدِ بِحَسَبِ الاعْتِباراتِ، فَإِنْ فُهِمَ منْه فلابُدَّ له منْ أَمْرٍ آخَرَ كَتَقْديرِ المَصْدَرِ النَّوْعِيِّ في هذه الأمْثِلَةِ [4] ، ولا حَاجَةَ إِلى تَقديرِه فيما دَلَّ الدَّليلُ العُرْفِيُّ عليه.
واشُتُرِطَ كَوْنُ ما بَعْدَه سَبَبًا [5] ؛ لأَنَّه لَوْلاه لَزِمَ إِمّا كَوْنُ هذا المَوْصُوفِ غَيْرَ مُفَضَّلٍ ومُفَضَّلٍ عليه نَحْو: (رَأَيْتُ رَجُلًا أَفْضَلَ منه
(1) في الأصل: (ينصب) غلط، والحديث عن رفعِ (أَفعل) للظّاهِرِ، كما أنّ النّصْبَ ليسَ مُخْتَلَفًا فيه فهو يَنْصبُ الحالَ والظّرفَ والتّمييزَ بِرائحةِ الفِعْلِ، وأمّا المَفْعولُ به فالنّحاةُ مُتّفقون على أَنّه لا يَنْصبُه، ويَرَونَ أنّ المَفْعولَ به يُنْصَبِ بِفِعْلٍ مُقَدّرٍ دَلّ عليه (أفْعَلَ) كَقَولِه تَعالى:"هو أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عن سبيلِه" [الأنْعام 117] فـ (مَنْ) مَفْعُولٌ به مَنْصوبٌ بِفِعْلٍ مقدّرٍ، والتّقديرُ: أَعْلَمُ منْ كُلِّ واحِدٍ يَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ. انظر شرح التسهيل لابن مالك 3/ 68 - 69 والإيضاح في شرح المفصّل 1/ 662 شرح الرّضي 3/ 464 الفوائد الضّيائيّة 2/ 218 - 219 وشرح الأشمونِي 3/ 104 والأشباه والنّظائر 4/ 260.
(2) ذَهَبَ ابنُ مالك وغيرُه إلى جَوازِ اسْتِعْمالِ النّهيِ والاستِفْهام الّذي فيه معنى النّفي. انظر شرح التّسهيل 3/ 68 والمساعد 2/ 186 وتوضيح المقاصد 3/ 944 وشرح الرّضي 3/ 469 والارتشاف 5/ 2337 وكحل العيون النّجل 439 ونُقِلَ عن الرّمانِي جَوازُه في المُثْبَتِ انظر شرح الرّضي 3/ 469، أمّا عِلّة اشتِراطِ النّفيِ فقد ذَكر الجامي وغيرُه أنّ النّفيَ يُقَرّبُ أفعلَ التَّفْضيلِ من معنى الفِعْلِ انظر الفوائد الضّيائيّة 2/ 221 ومسألة الكحلِ من الكافية الورقة الثانية، وقالَ الإمامُ المؤيّد يحيى بنُ حَمزةَ العَلَوي في الغايَةِ من النّفي:"وإِنّما وَجَبَ اعْتِبارُه في سِياقِ النّفيِ منْ جِهَةِ أَنّ المَقْصُودَ به المُبالَغَةُ، ولَنْ يَكُونَ إلاّ بِتَقْريرِه على سِياقِ النّفيِ لِيَكونَ مُنْحَصِرًا بَيْنَ النّفيِ والإثْباتِ، فيُفيدُ بذلك المُبالَغَةَ؛ لأَنَّ المَعْنى: ما رَأيْتُ رَجُلًا يَحْسُنُ في عَيْنِه الكُحْلُ إلاّ في عَيْنِ زَيْدٍ، فَإِذا كَانَ مَسُوقًا للمُبالَغَةِ ولا يَجُوزُ حُصُولُها إلاّ بِطَريقِ الحَصْرِ، والحَصْرُ لا يَكُونُ إلاّ بالنّفيِ فلهذا وَجَبَ اعْتِبارُه"الأزهار الصّافية 2/ لوحة 142.
(3) المُفَضّلُ في الإثباتِ هو الكُحْلُ باعْتبارِه في عينِ الرّجُلِ، وهذا في النّفيِ مُفّضّلٌ عليه، إذ المُفضّلُ في النّفيِ هو الكُحْلُ باعِتباره في عينِ زَيدٍ، وقد انعكَسَ التّفضيلُ لأجلِ النّفيِ انظر الأشباه والنّظائر 4/ 262 وصَرّحَ بذلك ابنُ الحاجِبِ في شرح الوافية نظمِ الكافية 335 فقال:"فالأَوّلُ هو المُفضّلُ والثّاني المفضّلُ عليه، وإنّما يُفْهَمُ العَكْسُ منْ جِهةِ النّفيِ".
(4) أي: فَإِنْ غَلَبَ التّفاوتُ في الواحد ولم يدلَّ الدّليلُ العُرفِيُّ على فَضْلِ واحدٍ من المتفاضلين صارت الحاجَةُ إلى أَمْرٍ آخَرَ للتّمييزِ بَيْنَهُما وتعيينه، وهذا ما يقومُ به المصدر النّوعيّ فهو يُميّزُ النَوعَ، ولا حاجَةَ بنا إليه في هذا المَوضعِ لوجودِ الدّليلِ العُرفِيِّ الذي ميّزَ المُفضّلَ.
(5) هذا شرطُ ابنِ الحاجبِ ولَمْ يُشر ابنُ مالك إلى هذا الشرط في التّسْهيلِ، وقد اصْطلح عليه عند ابن الحاجبِ وغيره من النّحاة (المُسَبّب) ، والمَقصُودُ به السّببِ، وقد رأى الرّضيّ أن يقالَ السّبَبُ لا المُسَبّبُ، ويُقْصَدُ منه أنّ الكُحلَ سَبَبُ حُسْنِ عَيْنِ الرّجُلِ، أو: العينُ هي سَبَبٌ للكُحْلِ في التّفْضيلِ. انظر شرح المقدّمة الكافية 3/ 854 وشرح التّسهيل لابن مالك 3/ 65 وشرح الرّضي 3/ 467 والأشباه والنّظائر 4/ 262 ومسألة الكحل من الكافية للنّكساري الورقة الأولى، وأمّا عِلّةُ اشْتِراطِه فقالَ فيها ابنُ الصّائغِ:"وأمّا السّبَبُ عندَ من اشْتَرَطَه لأَنّها صِفَةٌ جَرَتْ في اللّفظِ على غيرِ مَنْ هي له ولابُدّ منه؛ لأَنّه الّذي رَفَعَته أفعل"الأشباه والنّظائر 4/ 272.