الصفحة 77 من 78

مثّل للمنفي بما ليس بمنفي، وهو مع كونه غلطا خارج عن محل النزاع، إذ هو في المنفيين، لا في غيرهما، فذلك مما لا خلاف فيه، وإذا عرفت عدم صحة كلام ابن الحاجب أصلا ومثالا، عرفت أيضا عدم صحة كلام ابن دقيق العيد، الذي حرره / السائل 45 أ عافاه الله، فإنه جعل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لاَ يَمَسُّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ) وقوله: صلى الله عليه وآله وسلم في رواية أخرى: (لاَ لاَ يَمَسُّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ) من هذا القبيل، ولكنه خلط الكلام خلطا لا يخفى على عارف، فقال: وقد سبق إلى الفهم أنّ المطلق العام محمول على المقيد الخاص. انتهى.

وأنت تعلم أنّ المطلق غير العام، والعام غير المطلق، وكذلك المقيّد غير الخاص، والخاص غير المقيد، فإنّ المطلق عمومه بدلي، والعام عمومه شمولي، وبين الأمرين ما بين السماء والأرض، فكيف جمع بين الوصفين، فقال: المطلق العام .. الخ؟ فإنْ قلت يُحتمل أنه أراد أنّ الحديث قد اشتمل على الوصفين، فهو عام باعتبار بعض ألفاظه، وخاص باعتبار اللفظ الآخر، كأنْ يُقال: لفظ أحدكم إن كان من حيث كونه اسم جنس مضافا، فلفظ ذكره اسم جنس مضاف، وإنْ كان من حيث وقوع الأول عقب النفي فالثاني أيضا واقع عقب النفي، وكذلك لفظ الفعل، وهو يمسّ، فإنه متضمن للنكره، وهي عقب النهي، مثلها عقب النفي، ففي الكلام اختلال على كل حال، ثم قال بعد هذا: فإنَّا إذا جعلنا الحكم للمقيد أخللنا بمقتضى اللفظ المطلق، مع تناول النهي له، وذلك غير سائغ، انتهى.

وقد قدّمنا الجواب عن هذا بما فيه كفاية، ثم قال هذا كله بعد مراعاة أمر من صناعة الحديث، وهو أنْ ننظر في الروايتين، أعني رواية الإطلاق والتقييد، هل هما حديثان، أو حديث واحد، مخرجه واحد، إلى آخر كلامه.

ولا يخفى عليك أنّ الذي اعتبره أهل الأصول في حمل المطلق على المقيد هو ما قدّمنا من اتحاد الحكم والحادثة، بل أجمعوا على هذه الصورة، واختلفوا فيما عداها، ولا ملازمة بين اتحاد الحكم والحادثة، وبين اتحاد الحديث، فقد يتحدا مع كون المطلق مرويا من طريق غير الطريق التي روي منها المقيد، ولكنه قد بُني على أنّ النفي مانع من التقييد، بشرط أن يكون المقيد واردا في حديث غير حديث المطلق، لا إذا وردا في حديث واحد، مخرجه واحد، فحينئذ لم يجعل النفي مانعا من حمل المطلق على المقيد بمجرده، بل ضمّ إلى ذلك أمرا آخر، والحقّ أنّ كل واحد من الأمرين لا يصلح للمنع، أمَّا النفي فقد قدمنا الكلام عليه بما لا يبقى بعده لبس، وأمَّا اختلاف الأحاديث فلا يصلح أنْ يكون مانعا إذا اتّحد الحكم، واتحدت الحادثة، لِما عرفت من عدم الملازمة، فإنّ القصّة الواحدة المتحدة حكما وسببا قد يرويها الجمع الجم من الصحابة بألفاظ مختلفة، فيها المطلق، وفيها المقيد، مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت