فانظروه إنْ أمكن، فإنّ ذلك السؤال اشتمل على أنهم يعتقدون في أولئك الأموات وتلك الأحجار أنها تضر وتنفع، وهذا من الكفر الذي لا شكّ فيه ولا مرية، وهو أشد من كفر الوثنية، لأنهم قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، وهؤلاء قالوا: نعبدهم ليضروا وينفعوا، فأيّ مصيبة أشد من الكفر، وأيّ منكر أطمّ منه، وكيف يدعي القادر على إنفاذ الأوامر أنه من المؤمنين، وهؤلاء اخوانه من المسلمين قد صاروا في الكفر الصريح، إنا لله وإنا إليه راجعون، ورحم الله المهدي لدين الله العباس بن المنصور، فإنه قام في إزالة هذا المنكر كل مقام، والله يلهم خليفة العصر إلى القيام بهذا الواجب الأهم / وعلى الجملة، الاستدلال على قبح هذه القضية لا يحتاج إليه أحد؛ لأنه لا يشك أحد 6 ب من المسلمين في أنّ ذلك كفر، ولا يخالف في قبح الكفر أحد منهم، والقرآن والسنة مشحونان بالأدلة القاضية بقبح الكفر، الناعية على الكافرين ما هم فيه، ومَن أخذ المصحف وقرأ فيه ورقة، وجد فيها من أدلة التوحيد، أو تقبيح الشرك، أو الكفر ما يشفي ويكفي، فلا فائدة في التطويل، ولو رام الإنسان أنْ يستقصي ما ورد في ذلك من أدلة النقل والعقل؛ لجاء في مجلدات.
اللهم أنت تعلم أنَّا نجد قُدَرَنا متقاصرة عن القيام بدفع هذه المفاسد، وهدم هذه المنكرات، وليس في وسعنا إلاّ الإنذار والإبلاغ، وقد فعلنا، اللهم اغضب لدينك، وطهره من أدناس هؤلاء الشياطين القبوريين، وأرحنا من هذه الأوساخ التي كدّرت صفو الدين المتين.
حرره المجيب محمد بن علي الشوكاني في صبح يوم الخميس من شهر ربيع الأول سنة 1206.
بسم الله الرحمن الرحيم
(1) هذه الرسالة رقم (3) في المجموع وتبدأ بالورقة 6