ومن جملة المؤلفين في المولد الإمام أبو عبد الله بن الحاج [1] ، وسماه المدخل في عمل المولد، وإمام القرّاء الجزري [2] ، وسمّى كتابه عرف التعريف بالمولد الشريف، والإمام الحافظ ابن ناصر [3] ، وسمى كتابه مورد الصادي في مولد الهادي، والعلامة السيوطي، وسمى كتابه حسن المقصد في عمل المولد.
فمنهم مَن جزم بعدم جوازه، ومنهم مَن جوّزه بشرط ألاّ يصحبه منكر، مع الاعتراف بأنه بدعة، ولم يأت بحجة أصلا.
وأمَّا تخريجه من حديث [4] أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجّى موسى، فنحن نصومه شكرا لله تعالى، كما فعل ابن حجر، أو من حديث أنه صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نفسه بعد النبوة [5] ، كما فعل السيوطي، فمن الغرائب التي أوقع في مثلها محبة تقويم البدع.
والحاصل أنّ المجوزين، وهم شذوذ بالنسبة إلى المانعين قد اتّفقوا على أنه لا يجوز إلاّ بشرط أنْ يكون لمجرد الطعام والذكر، وقد عرّفناك أنه قد صار من ذرائع المنكرات، ولا يخالف أحد بهذا الاعتبار، وأمَّا المولد الذي يقع الآن من هذا الجنس فهو ممنوع منه بالاتفاق.
وفي هذا المقدار كفاية، وإن كان المقام يحتاج إلى بسط طويل، مشتمل على إيراد كلمات المجوزين، وردها، ولكن ذلك لا يتم إلاّ في كراريس، ولا بدّ أنْ يلهم الله أحد أرباب الأمر إلى المنع من هذه القضية، فإنها تنحسم بأمر يسير، وهو أن يمنع ذلك النَّشَّاد الذي صار يدعى لعمل المولد، ويزجر، وهذا أمر يتمكن منه كل أحد.
وأمَّا ما سألتم عنه من الواقعة العظيمة، في القطر التهامي، وهي أنهم يزخرفون الأحجار، ويطوفون حولها كما يُطاف حول الكعبة ويُزار، فقد وصل إلى محبكم سؤال من بعض السادات الساكنين في تهامة على يد سيدي محمد أحمد النعمي [6] ، وأجبت فيه بجواب فيه طول،
(1) هو محمد بن محمد بن محمد بن الحاج، أبو عبد الله العبدري المالكي الفاسي، نزيل مصر، كفّ بصره آخر عمره، من مؤلفاته: مدخل الشرع الشريف، وشموس الأنوار وكنوز الأسرار، توفس سنة 737 هـ عن نحو ثمانين سنة. الدرر الكامنة 4/ 237
(2) هو الحافظ أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري، الدمشقي، له كتاب: النشر في القراءات العشر، ونهاية الدرايات في أسماء رجال القراءات، وغيرها، توفي سنة 833 بشيراز. مقدمة النشر في القراءات العشر.
(3) الحاظ شمس الدين محد بن أبي بكر بن عبد الله بن محمد، المعروف بابن ناصر الدين الدمشقي، له توضيح مشتبه الذهبي، وعقود الدرر في علوم الأثر، والرد الوافر على من زعم أنّ من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر، توفي سنة 842 هـ.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (2004) ومسلم في صحيحه رقم (1130) .
(5) أخرجه الطبراني في الأوسط رقم (994) ، والبزار في مسنده 2/ 74، قال البزار تفرد به عبد الله بن المحرر، وهو ضعيف جدا، إنما يكتب عنه ما لا يوجد عند غيره.
(6) السيد محمد بن عز الدين النعمي التهامي، ولد في حدود سنة 1180 هـ بالعذير بتهامة، ثم ارتحل إلى صنعاء، فقراء على أحمد بن محمد الجزري، وغيره، ولازم الشوكاني مدة وتلمذ عليه، ثم عاد إلى تهامة، وكان كثيرا ما يسأل الشوكاني، ويكتب إليه. البدر الطالع 2/ 205