تقرر أنّ سدّ الذرائع، وقطع علائق الوسائل إلى ما يجوز من قواعد الشريعة المهمة، التي جزم بوجوبها الجمهور، وأنت إنْ بقيت فيك [1] بقية من إنصاف، لا تنكر هذا، وإذا قد تبيّن لك أنه لم يقل أحد من أهل البيت وأتباعهم بجواز المولد، وأردت أنْ تعرف قول من عداهم، فنقول: قد قررنا لك الإجماع على أنه بدعة من جميع المسلمين، ولكنّ للملوك تأثيرا في تقويم البدع وهدمها، فلمَّا كان المبتدع لهذه البدعة ذلك الملك، ساعده في ذلك ابن دُحيّة [2] ، وألف في ذلك مجلدا سماه التنوير في مولد البشير النذير، وهو مع توسعه في علم الرواية لم يأت في ذلك الكتاب / بحجة نيّرة، لا جرم أنه أجازه ألف دينار، كما ذكر ابن خلكان، ومحبة الدنيا تفعل 6 أ أكثر من هذا، ثم بعد حدوث هذا المولد قام الخلاف على ساق، وكثرت فيه المؤلفات من المانع المجوّز، فمن جملة المؤلفين في ذلك: الفاكهاني [3] المالكي، ألّف كتابا سماه: المورد في الكلام على عمل المولد، وشنّع وبشّع، ومن جملة ما أنشده في ذلك الكتاب لشيخه القشيري [4] :
قد عُرِفَ المنكرُ واستُنكر الـ معروفُ في أيَّامنا الصَّعبهُ
وصارَ أهلُ العلمِ في وَهْدةٍ ... وصارَ أهلُ الجهلِ في رُتْبهْ
جاروا عن الحقِّ فما للذي ... ساروا به فيما مضى نِسْبَهْ
فقلتُ للأبرارِ أهلِ التُّقى ... والدِّين لما اشتدت الكُرْبهْ
لا تُنكروا أحوالَكم قد أتتْ ... نوبتُكمْ في زمن الغُرْبه÷
(1) كتب: فيه.
(2) الحافظ ابن دحية: أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي بن محمد الجُمَيِّل بن فَرْح بن خلف بن قُوْمِس (2) بن مَزْلال بن مَلاّل بن بدر بن أحمد بن دَِحْية بن خليفة بن فروة الكلبي، المعروف بذي النسبين، الأندلسي البلنسي الحافظ؛ وهو دحية الكلبي صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم. كان أبو الخطاب المذكور من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، متقنًا لعلم الحديث النبوي وما يتعلق به، عارفًا بالنحو واللغة وأيام العرب وأشعارها، واشتغل بطلب الحديث في أكثر بلاد الأندلس الإسلامية، ولقي بها علماءها ومشايخها، ثم رحل منها إلى بر العدوة ودخل مراكش واجتمع بفضلائها، ثم ارتحل إلى إفريقية ومنها إلى الديار المصرية ثم إلى الشام والشرق والعراق؛ ودخل إلى عراق العجم وخراسان وما والاها ومازندران، كل ذلك في طلب الحديث والاجتماع بأئمته والأخذ عنهم، وهو في تلك الحال يؤخذ عنه، ويستفاد منه وقدم مدينة إربل في سنة أربع وستمائة، وهو متوجه إلى خراسان، فرأى صاحبها الملك المعظم مظفر الدين بن زيد الدين، مولعًا بعمل مولد النبي، صلى الله عليه وسلم، عظيم الاحتفال به، فعمل له كتابًا سماه"كتاب التنوير في مولد السراج المنير"وقرأه عليه بنفسه،؛ ولما عمل هذا الكتاب دفع له الملك المعظم المذكور ألف دينار، وله عدة تصانيف. وكانت ولادته في مستهل ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة. وتوفي في يوم الثلاثاء الرابع عشر من ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم. وفيات الأعيان 3/ 497
(3) هو عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الاسكندري الشهور بتاج الدين الفاكهاني، فقيه، نحوي، مفسر، مقرئ، من مؤلفاته الإشارة في النحو، والمنهج المبين في شرح الأربعين، والتحير والتحبير في شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني. شذرات الذهب 5/ 96
(4) أورد السيوطي هذه الأبيات في كتابه الآثار فيما عقده الشعراء من الأحاديث والآثار، ص 98، والقشيري هو محمد بن علي بن وهب بن مطيع، تقي الدين القشيري، المشهور بابن دقيق العيد، المتوفى سنة 702 هـ الدرر الكامنة 4/ 91