سُئل رحمه الله عن المولد، فقال رحمه الله:
أقول: لم أجد إلى الآن دليلا على ثبوته من كتاب ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس، ولا استدلال، بل أجمع المسلمون أنه لم يوجد في عصر خير القرون، ولا الذين يلونهم، ولا الذين يلونهم، وأجمعوا أنّ المخترع له السلطان أبو سعيد كوكبوري بن زين الدين علي بن سبكتكين [2] صاحب إربل [3] ، وعامر الجامع المظفري بسفح قاسيون، وهو في المائة السابعة، ولم يذكر أحد من المسلمين أنه بِدعة، وإذا تقرر هذا لاح للناظر أنّ القائل بجوازه بعد تسليمه أنه بدعة، وأنّ كلّ بدعة ضلالة [4] ، بنص المصطفى صلى الله عليه وسلم، لم يقل إلاّ بما هو ضدّ للشريعة المطهّرة، ولم يتمسّك بشيء سوى تقليده لمن قسم البدعة إلى أقسام، وليس عليها أثارة من علم، والحاصل الاّ نقبل من القائل بالجواز مقاله إلاّ بعد أنْ يقيم دليلا يخصّ هذه البدعة، التي يعترف بها من ذلك العموم الذي لا يُنكره، وأمَّا مجرد قال فلان، وألّف فلان، فهذا غير نافق، والحق أكبر من كل أحد، على أنَّا إذا عوّلنا على أقوال الرجال، ورجعنا إلى التمسك بأذيال القيل والقال، فليس القائل بالجواز إلاّ شذوذ من المسلمين، أمَّا العترة المطهرة وأتباعهم، فلم نجد لهم حرفا واحدا يدل على جواز ذلك، بل كلمتهم كالمتَّفقةِ، بعد حدوث هذه البدعة أنها من أقبح ذرائع المتمخلعة إلى المفاسد، ولهذا ترى هذه الديار منزهة عن جميع شعابذ المتصوفة المتهتكة، التي هذه واحدة منها، ولله الحمد، وكان آخر الخلفاء الذابين عن ذلك المهدي لدين الله العباس بن المنصور، فإنه منع الموالد، وأمر بهدم قبور جماعة من الأموات الذين يعتقد بهم العامة، والمرجو من الله تعالى أنْ يُلهم خليفة عصرنا المنصور بالله، حفظه الله، إلى الاقتداء بسلفه الصالح، فإنّ الأمر كما قيل [5] :
أرى خِللَ الرَّمادِ وميضَ جمرٍ ... ويوشكُ أن يكون لها اضْطِرامُ
(1) هذه الرسالة رقم (2) في المجموع، وتبدأ بالورقة 5
(2) مظفر الدين صاحب إربل: أبو سعيد كوكبوري بن أبي الحسن علي بن بكتكين، (وقيل بلتكين، وقيل سبكتكين) بن محمد، الملقب الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل. وكُوكُبُوري، اسم تركي، معناه ذئب أزرق، ولد بقلعة الموصل سنة 549 هـ، وتوفي سنة 630 هـ. وفيات الأعيان 4/ 113 ـ 121
(3) إربل: من مدن شمال العراق، وهي في إقليم كردستان العراق.
(4) أخرجه مسلم في صحيحه رقم 867 من حديث جابر وفيه: فإنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
(5) من الوافر، وينسب لنصر بن سيار، وبعده:
وإنَّ النَّارَ بالعوديْن تُذكى ... وإنَّ الحربَ يقدمُها الكلامُ
الموسوعة الشعرية.