حمدا لك يا من تفرد بالكمال، وتنزه عن الاختلال، في الأقوال والأفعال، وشكرا لك يا جاعل الإنصاف معيارا يُتمسَّك به عند ظهور الاختلاف، والصلاة والسلام على رسولك خير الخليقة، وعلى آله وصحبه القائمين بحماية الحقيقة على الحقيقة، وبعد،،،
فإني وقفت على رسالة للعلامة المفضال، السيد الإمام الحسن بن أحمد الجلال [1] ، مشتملة على بيان ما تفرقت فيه كلمة المسلمين من الصوم والإفطار، والعمل بالرؤية عند قوم وعدمه عند آخرين، مع تباين الأقطار، فوجدتها رافلة في حُلل الإنصاف، متنكبة عن مزالق التعصب والاعتساف، إلاّ أنه بقي فيها ما يقيها من عين الحاسد، فأحببت بيانه من باب بذل النصيحة للغائب الميت، والشاهد الحي، بعد أن سأل ذلك البيان بعض أرباب الطلب والإمعان، والنسخة التي عثرت عليها بخط السيد رحمه الله تعالى، وتصحيحه وتصليحه، فلا يظن أنّ ما في بعضها من المساهلات، من تغيير بعض النساخ وترجيحه، وقد أوردتها جميعها بألفاظه، وعقبت ما لم أرتضه منها باعتراضه، قال:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد له على نواله، وأصلي وأسلم على محمد وآله، وبعد،،،
فإنها لمَّا تفرقت كلمة المسلمين في الإفطار والصوم، حيث يتقدم قوم بيوم، ويتأخّر آخرون بيوم، وذلك من التفرّق في الدين، الذي نهى الله عنه في كتابه المبين، رأيت أنْ أذكر سبب الخلاف، وأرشد مَن شاء الله رشده إلى السنّة الإنصاف، فأقول: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، كان ضمير الجمع ظاهرا في لزوم حصول الرؤية من كل مكلف، كما هو الكائن في نحو: أقيموا الصلاة، وغيرها من الخطابات العامة، لكنّ النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا صام وأفطر برؤية من البعض، كان ذلك في قرينة صرف الحقيقة إلى المجاز، كما في: [فَعَقَرُوا النَّاقَةَ] [2] ، فحينئذ يجب التوقف على حدّ ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ تحقيقا للتأسي، وإلاّ كان خروجا من الاتباع إلى الابتداع.
أقول: قد تقرر في الأصول أنّ دلالة الخطاب العامة من باب الكلّية، أي الخطاب/ لكل 7 أ فرد ترد مطابقة إثباتا أو طلبا، خبرا، أو أمرا، أو نهيا؛ لأنّ باب الكل، يتناول [3] المجموع من حيث هو مجموع، ولأن باب الكلي، أي مجرد الماهية من حيث هي من غير نظر إلى
(1) هو العلامة الحسن بن أحمد الجلال (ت: 1084 هـ) أحد أعلام اليمن في القرن الحادي عشر الهجري، له كتاب ضوء النهار المشرق على صفحات الازهار، و عصام المتورعين عن مزالق المتسرعين.
البدر الطالع 2/ 196، الأعلام 2/ 132
(2) الأعراف 77
(3) كتب: أي يتناول.