أنّ لفظ كل واحد منهم يُسمّى حديثا مستقلا باصطلاح أئمة الحديث، وغيرهم، وهذا مما لا شكّ فيه، فأيّ ثمرة لاشتراط كون الحديث واحدا، أو متعددا، فإنّ كل من له فهم يعلم أنّ الحادثة إذا كانت واحدة في حكم واحد، كان جميع ما نقل فيها كالكلام الواحد وإنْ وردت من طريق مائة رجل من الصحابة، فكيف جزم بأنّ الزيادة في الحديث الواحد تكون من زيادة العدل، ولم يجزم بمثل ذلك في الحديثين المتحدين سببا وحكما، فإنّ زيادة بعض ألفاظهما على بعض هي زيادة العدل بلا شك، ولا شبهة إذا سلمت الزيادة من النكارة والشذوذ القادح، وهذا قد صرح به أهل صناعة الحديث الذي أسند ما قاله إلى صناعتهم، ثم جاء بعد هذا بكلام حاصله تسليم حمل المطلق على المقيد في المنفيين وغيرهما، مع كمال شروط الحمل، فقال: وكذلك يكون أيضا بعد النظر في دلالة المفهوم، وما يعمل به منه، ومالا يعمل به بعد أنْ ننظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم، انتهى.
/ ولا يخفى عليك أنه هاهنا قد أحال الأمر على النظر في المفاهيم باعتبار 45 ب المعمول به، وغير المعمول، وإذا كان المطلق والمقيد المنفيين، ينبغي أنْ يُنظر في دلالة المفهوم المذكور في المقيد مثلا، هل يعمل به أو لا يعمل؟ فقد استلزم ذلك صحة التقييد بالمفهوم المعمول به، هذا أمر لا يختص به محل النزاع، بل هو شامل لكل مطلق ومقيد، فإنه لا يصح التقييد للمطلق إلاّ إذا كان القيد المذكور في المقيد معمولا بمفهومه، وكل على أصله، بل هذا الأمر شامل للعام والخاص، فإنه لا يصح التخصيص بمفهوم لفظ إلاّ إذا كان ذلك المفهوم معمولا به، فإذا كان حمل المطلق على المقيد في المنفيين مما ينبغي النظر في دلالة المفهوم المذكور في أحدهما، حتى يُعمل بما يُعمل به، ويُهمل ما يُهمل منه، فهذا هو التسليم للحمل فيهما بلا ريب، لأنه لا يثبت تقييد بمفهوم، ولا تخصيص إلاّ بعد النظر في دلالته كذلك، فأي ثمرة لإخراجه للمنفيين عن قاعدة الحمل، ثم تخصيصه لذلك الإخراج باختلاف الحديثين، وهو مصرح في آخر الكلام بأنّ ما قدّمه إنما يكون بعد النظر في دلالة المفهوم الذي يشترك فيه باب المطلق، وباب العموم، ثم انظر كيف قال في آخر الكلام أنه ينظر في تقديم المفهوم على دلالة العموم، فكأنه قد رجع عن كون ذلك من باب المطلق والمقييد إلى كونه من باب العام والخاص، أو اضطرب عليه الكلام في الحديث، هل هو من هذا الباب، أو من هذا الباب، والأمر أوضح من أنْ يلتبس، لِما عرفناك سابقا في الكلام على مثال ابن الحاجب، فإنّ الكلام في حديث النهي عن مسّ الذكر مثله، فلا نُطوِّل بذكره، وفي هذا كفاية لمن له هداية، والله ولي التوفيق.
حرره المُجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما، وكان الفراغ في ليلة الأحد،
لثلاث خلت من شهر جمادى الأولى، سنة 1213 هـ.