يخفى أنّ هذا الدليل شامل لمحل النزاع، ولا يجد المانع من ذلك سبيلا إلى الفرق بينه وبين سائر صور المطلق، إن كان قائلا إنه من باب المطلق والمقيد، وإنْ كان قائلا إنه من باب العام والخاص فكذلك.
ثم اعلم أنه خطر بالبال حال تحرير هذه الأحرف الاستدلال على الحمل في محل النزاع مع الاتحاد بدليل، وهو ما ذكره الشيخ عبد القادر [1] في دلائل الإعجاز في الكلام المشتمل على كلام فيه قيد، فقال: إنّ مِن حكم النفي إذا دخل على كلام فيه تقييد، على وجه ما، أنْ يتوجه إلى ذلك التقييد، وأنْ يقع له خصوصا مثلًا إذا قيل: لم يأتك القوم أجمعون، كان نفيا للاجتماع، وهذا مما لا سبيل إلى الشك فيه، انتهى.
ووجه الاستدلال بهذا أنّ المطلق والمقيد المنفيين إذا كانا في حادثة واحدة، وحكم واحد، كانا كلاما واحدا، فإذا قال قائل: لا تعتق مكاتبا، لا تعتق مكاتبا كافرا، كان مجموع هاتين الجملتين في قوة قولك: لا تعتق مكاتبا كافرا، فيتوجه النهي المتضمن للنفي إلى القيد، فيكون نهيا عن عتق المكاتب الكافر، وهذا هو معنى حمل المطلق على المقيد، وقد عرفت أنّ الشيخ قال: إنّ هذا مما لا سبيل إلى الشك فيه، ولا خلاف أنه الأصل الذي يتعين الحمل عليه، ولا يجوز العدول عنه إلاّ لقرينة، كما قال بعضهم: إنّ الكلام المشتمل على نفي وقيد يجب توجيه النفي فيه إلى القيد، لا إلى المقيد، ولا إليهما إلاّ لقرينة، وقد ذكروا في مثل ذلك خمس صور، واتفقوا على أنّ الأصل ما ذكرناه.
البحث الثالث: في عدم صحة ما ذكره ابن الحاجب، وابن دقيق العيد، ومَن / معهما في كون المطلق والمقيد المنفيين، لا يُحمل أحدهما على الآخر. ... 44 ب
فنقول: اعلم أنّ المطلق لا يكون إذا كان اسما إلاّ نكرة، ولا يكون معرفة قط؛ لأنّ الدلالة على شائع، التي هي مفهوم المطلق، لا توجد في المعارف، وقد صرح بهذا جماعة من أئمة الأصول، فقال ابن الحاجب في مختصر المنتهى ما لفظه: المطلق ما دل على شائع في جنسه، فتخرج عنه المعارف، انتهى.
وقال العضد [2] في شرح ذلك ما لفظه: فتخرج المعارف كلها؛ لما فيها من التعيين شخصا نحو زيد وهذا، أو حقيقة نحو الرجل وأسامة، أو خصه نحو: [فَعَصَى فِرْعَوْنُ
(1) أبو بكر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، فارسي الأصل، جرجاني الدار، ولد في جرجان وعاش فيها دون أن ينتقل إلى غيرها حتى توفي سنة 471 هـ، و يعتبر مؤسس علم البلاغة، أو أحد المؤسسين لهذا العلم، ويعد كتاباه: (دلائل الإعجاز) و (أسرار البلاغة) من أهم الكتب التي أُلفت في هذا المجال، وقد ألفهما الجرجاني لبيان إعجاز القرآن الكريم وفضله على النصوص الأخرى من شعر ونثر.
(2) العضد: عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الشيرازي الشافعي، أبو الفضل عضد الدين الإيجي (708 - 756 هـ) ، الأشعري مقرر المذهب، و معتمد الأشاعرة المتأخرين، من مصنفاته: المواقف في علم الكلام.
العقائد العضدية. شرح مختصر ابن الحاجب في علم الأصول.
الأعلام 3/ 295، الموسوعة الميسرة 2/ 1144 و ما يعدها.