الصفحة 74 من 78

واستدل ابن صدر الشريعة بدليل ثالث، فقال: ولأنّ إعمال الدليلين واجب ما أمكن، فيعمل بكل واحد في مورده إلاّ أنْ لا يمكن، وهو عند اتحاد الحادثة والحكم. انتهى.

ولا يخفى عليك أنّ هذا الدليل لا يخص محلّ النزاع، وهو المنفيان، بل هو يعم كل مطلق ومقيد، غير ما استثناه، وقد عرفناك أنه قد اعترف أنّ الأدلة التي أوردها إنما هي لنفي مذهب مَن قال بالحمل مطلقا، فلا نشتغل بالتطويل في دفعها؛ لأنَّا لا نقول بذلك، وأنت إذا أمعنت النظر، وجدت هذا الدليل الثالث الذي ذكره، هو للقائلين بحمل المنفيين مع اتحاد الحكم والحادثة، لا عليهم؛ لأنه استثنى ما كان متحد الحادثة والحكم، وهو أعم من أن يكون مثبتا، أو / منفيا، وهذا من الوضوح في غاية لا تلتبس، ثم يُجاب عن هذا 44 أ الدليل الثالث من طرف القائلين بالحمل مطلقا بأن يُقال: إنّ حمل المقيد على المطلق يفهم من المطلق، فلو لم يحمل المطلق عليه كان القيد لغوا، وقد أورد السعد في التلويح هذا على نفسه بعد تقرير الدليل الأول، ثم لم يتخلص عنه إلاّ بقوله: أُجيب بأنه يفيد استحباب القيد وفضله، وأنه عزيمة، والمطلق رخصة، ونحو ذلك، وبالجملة هو أولى من إبطال حكم الإطلاق، انتهى.

ولا يخفى عليك أنّ الحمل على الرخصة والعزيمة، والفرار بعد ذلك إلى الأولوية، هو مجرد دعوى، لا يعجز عنها أحد، وقد تقرر لك بما ذكرناه في هذا البحث أنه لم يكن للمانع من حمل المطلق المنفي على المقيد المنفي حجة تصلح للتمسك بها، ولا سيما في مثل هذا الأصل العظيم، فإنه يترتب عليه من المسائل الشرعية ما لا يحيط به الحصر، ويستلزم إلغاء قيوده في الكتاب والسنة، وتعطيلها عن الفائدة، والمبحث أصولي، ولا يثبت إلاّ بأدلة مخصوصة كما تقدمت الإشارة إليه، وليس هاهنا ما يصلح لإثبات حكم فرعي؛ فضلا عن قاعدة كلية أصولية، ومَن زعم خلاف هذا فليأتنا بالبرهان.

المبحث الثاني: في الاحتجاج لحمل المطلق على المقيد المنفيين، فنقول: اعلم أنّ كلّ دليل استدل به أئمة الأصول على وجوب حمل المطلق على المقيد شامل لهذه الصورة على تسليم أنها من باب المطلق والمقيد، مثل قولهم: إنّ المطلق ساكت، والمقيد ناطق، والناطق أولى، وقد استدل بهذا الدليل جمهور هام، وأثبتوا به حمل المطلق على المقيد من غير تخصيص، فمن زعم أنّ هذا الدليل لا يشمل صورة النزاع، فإن كان قائلا أنها من المطلق فدعواه عدم الشمول ممنوعة، بل لا يجد عليها دليلا، وإنْ كان قائلا أنها ليست من المطلق، بل من العام والخاص، فجميع ما استدلوا به على بناء العام على الخاص شامل لها، وإنْ ادّعى عدم الشمول، فعليه الدليل، ومن الصور التي استدلوا بها على حمل المطلق على المقيد قولهم: إنه لو لم يحمل مع الاتحاد لكان القيد عاطلا عن الفائدة، ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت