يخفاك أنها لا تختص بدفع بعض صور المطلق والمقيد دون بعض، حتى تصلح للرد على مَن قال بالحمل مطلقا، بل هي تستلزم إبطال حمل المطلق على المقيد في جميع الصور، بل إبطال بناء العام على الخاص كما تقدم تحقيقه، ثم اعلم أنّ هذا الدفع إنما هو على فرض صلاحية قول ابن عباس للحجية، وهو باطل عند الجمهور، بل باطل بالضرورة الدينية، وتأييده بأن عامة الصحابة ما قيّدوا أمهات النساء، وليس في هذه العبارة ما يشعر بإجماع الصحابة على ذلك، لأنّ عامة الصحابة يصدق على أكثرهم، كما وردت بذلك الألفاظ الشرعية واللغوية، من ذلك حديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم [1] ما صلى العشاء حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، وإذا لم يكن ذلك إجماعا لهم، فكيف تقوم به الحجة، على أنه لو كان إجماعا فغايته إجماع سكوتي، والقول بحجيته لا يذهب إليه مَن له حظ من تحقيق، لِما تقرر في الأصول من الاحتمالات المجوِّزة، التي أقلُّها يُسقط الاحتجاج، بل الإجماع مطلقا، الراجح منع إمكانه؛ فضلا عن وقوعه، بل منع إمكان نقله؛ فضلا عن الوقوع؛ فضلا عن الحجية، وقد جمعت في هذا بحثا مطولا وعلى فرض حجيته فقد ذهب جمع من المحققين إلى أنه حجة ظنيّة، منهم أبو الحسين البصري، وفخر الدين الرازي، وسيف الدين الآمدي، وغيرهم، وذهب آخرون إلى أنّ بعضه ظني، وبعضه قطعي، منهم البردوي، وابن صدر الشريعة، وجماعة من محققي الحنفية، وبذلك قال إمام الحرمين، والصفي الهندي، والزركشي، والصيرفي وابن الحاجب، وصاحب جمع الجوامع، إذا تقرر هذا، فكيف يجعل قول ابن عباس حجة في مسألة أصولية، مع تصريحهم أنّ مسائل الأصول لا يُستدل عليها بالأدلة الظنية، بل لا يصح لإثباتها إلاّ الأدلة القطعية، فيالله العجب من هذه المناقضات!!
وقد أجاب السعد في التلويح عن الاستدلال بقول ابن عباس، ودعوى الإجماع عليه، فقال: وقد يُجاب بأنّ الإجماع على عدم حمل المطلق على المقيد في صورة لا تكون إجماعا على الأصل الكلي؛ لجواز أنْ يكون ذلك الدليل لاح لهم في هذه الصورة، انتهى.
(1) جاء في السنن الكبرى للبيهقي 1/ 375 /م:
أَخْبَرَنَاهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ يُوسُفَ الأَصْبَهَانِىُّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الأَعْرَابِىِّ حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِى هِنْدٍ عَنْ أَبِى نَضْرَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ فَقَالَ: «صَلَّوْا وَرَقَدُوا وَأَنْتُمْ تَنْتَظِرُونَهَا، أَمَا إِنَّكُمْ فِى صَّلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا، وَلَوْلاَ ضَعْفُ الضَّعِيفِ وَكِبَرُ الْكَبِيرِ لأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلاَةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ» . {ت} وَفِى رِوَايَةِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ عَنْ عَائِشَةَ فِى هَذِهِ الْقِصَّةِ: حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ. وَفِى حَدِيثِ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ: حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ. وَفِى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ وَاسْتَيْقَظُوا، وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا. وَفِى رِوَايَةِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ. وَفِى حَدِيثِ أَبِى الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِى بَرْزَةَ الأَسْلَمِىِّ: وَكَانَ لاَ يُبَالِى بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ثُمَّ قَالَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ. وَقَالَ مُعَاذٌ قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ شُعْبَةَ: إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِى الْمِنْهَالِ: إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ.