الصفحة 72 من 78

، ثم تكلف السعد تكلفا آخر، فقال: وقد يقال في وجه الاستدلال أنّ الوصف في المطلق مسكوت عنه، والمسكوت عنه منهي بهذا النص، ثم اعترف بضعف هذا التوجيه، بل اعترف بضعف الاستدلال بالآية، فقال: ولا يخفى ضعفه، بل ضعف الاستدلال بهذه الآية في هذا المطلوب [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ] [1] انتهى.

ثم لا يخفى عليك أنّ الاستدلال بهذه الآية لو صح لكان دليلا على عدم العمل بالخاص، وبناء العام عليه، ووجهه أنّ البحث عن الخاص كالبحث عن المقيد، إذ كل واحد منهما يوجب تقليلا، إمَّا من حيث الإفراد كالعام، أو من حيث الشيوع كالمطلق، ولا فرق بينهما إلاّ من حيث كون الأول شموليا، والثاني بدليا، ولهذا أطبق أهل الأصول على أنّ المطلق والمقيد كالعام والخاص في جميع الأحكام إلاّ ما صرحوا بتخصيصه، فالاستدلال بهذه الآية كما يوجب خرق الإجماع في عدم العمل بالمقيد مطلقا، يوجب أيضا خرق الإجماع في عدم العمل بالخاص مطلقا، وأنّ استدلالًا يفضي إلى مثل هذا لحقيق بأن يطرح من حالق، ولكن أين مَن يكشف عن الحقائق، ويميز بين الصحيح والباطل من الظواهر والدقائق! لم يبق إلاّ قال فلان، وإن كان من دون قران ولا برهان.

ومن جملة ما استدل به ابن تاج الشريعة في التنقيح، وتبعه ابن صدر الشريعة في التوضيح قول ابن عباس: أبهموا ما أبهم الله، واتّبعوا ما بيّن الله، قال: الثاني مبهما، والمطلق منبهم بالنسبة إلى المقيد المعيّن، فلا يُحمل عليه، ثم قال: وعامة الصحابة ما قيّدوا أمهات النساء بالدخول الوارد في الربائب [2] .

أقول هذا الدليل لا يختص بمحل النزاع / بل هو جارٍ في جميع صور المطلق 43 ب والمقيد، كما عرفت سابقا، بل جارٍ في العام والخاص، فيستلزم عدم حمل المطلق على المقيد، وبناء العام على الخاص، وهو خرق للإجماع، وقد اعترف ابن صدر الشريعة على هذين الدليلين، وكذلك الدليل الثالث، الذي سنذكره، إنما هي للرد على مَن قال بالحمل مطلقا، وليست للرد على مَن قال بالحمل في المنفيين، مع اتحاد السبب والحكم، وهو محل النزاع، والقول بالحمل في محل النزاع لا يستلزم الحمل مطلقا، لا عقلا ولا شرعا ولا عُرفا، فحينئذ هذه الأدلة ليس المقصود بها الرد على من قال بالحمل في محل النزاع، فلا نشتغل بالتطويل في دفعها، ولكنه لمَّا ظن بعض أهل العلم أنها تدل على محل النزاع ذكرتُها، ثم لا

(1) كتب واسألوا، النحل 43، الأنبياء 7

(2) يعني في قوله تعالى من سورة النساء، آية 23:

[حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت