باطل بالإجماع، فالملزوم مثله، وسيأتي إنْ شاء الله بحث مستقل يتضمن المناقشة لما مثّل به ابن الحاجب وأتباعه للمنفيين، وأنه غير مستقيم بحال.
ثم اعلم أنّ هذا الدليل الباطل يمكن معارضته بما هو أصح منه وأرجح، وهو أنْ يُقال لو لم يُحمل المطلق على المقيد في المنفيين لزم أنْ يكون الوصف المذكور في المقيد مستدركا لغوا، وذلك مما لا يوجد مثله في لغة العرب إلاّ غلطا، فضلا عن وجوده في كلام الشارع الحكيم، فأنت إذا قلت في المثال المذكور، وهو: لا تعتق مكاتبا، لا تعتق مكاتبا كافرا، إنه لا يجوز عتق كل مكاتب، كان هذا هو معنى المطلق، ولم يبق للقيد ثمرة البتة، وكلام الحكيم يُصان عن مثل ذلك، ولا يخفاك أنّ هذه المعارضة لا تستلزم شيئا مما استلزمه ذلك الدليل، مما هو باطل بالإجماع، ولهذا قلنا إنها أصح وأرجح، ومن جملة ما استدل به المتابعون لابن الحاجب على أنّ المطلق / والمقيد المنفيين لا يُحمل أحدهما 43 أ على الآخر ما ذكره ابن صدر الشريعة في التوضيح شرح التنقيح؛ تبعا لصاحب التنقيح قوله: [لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ] [1] قال: فهذه الآية تدل على أنّ المطلق يجري على إطلاقه، ولا يحمل على المقيّد؛ لأنّ التقليد يوجب التغليظ والمساءة كما في بقرة بني إسرائيل، وأقول: لا يخفى على ذي لب قويم، وفهم سليم أنّ هذا الدليل لا يختص بالمنفيين، بل يجري في كل مطلق ومقيد، فلو سلمت دلالته لكان مقتضيا لعدم حمل كل مطلق ومقيد على أي صفة كان، وهو باطل بالإجماع، وما استلزم الباطل باطل، وأيضا لا دلالة في الآية على المطلوب أصلا، فإنها في النهي عن السؤال عن الشيء الذي لم يُذكر، لا عن الشيء المذكور، كما في محل النزاع، فإنّ المفروض أنّ المقيّد مذكور كالمطلق، والتعبد قد تعلق بالبحث عن كل واحد منهما، فالحاصل أنّ القيد لم يكن معدوما حال السؤال، حتى يكون مسؤلا عنه، بل موجود، والموجود لا يتعلق السؤال به من هذه الحيثية، بل من حيثية فهم معناه، إنْ كان فيه خفاء، والدليل على هذا سبب النزول، فإنّ الله إنما أمرهم في الابتداء بذبح بقرة مطلقة، فشددوا على أنفسهم بالسؤال، فشدد عليهم بتلك القيود الموجودة بعد سؤالهم، لا قبل السؤال، وهذا المعنى من الوضوح، بحيث لا ينبغي أنْ يُشكَّ فيه، وقد أجاب بمثل هذا الجواب السعد في التلويح، ثم قال بعد ذلك: قلت إذا كان البحث في القيد، والاشتغال به يوجب ذلك، فالمقيد بالطريق الأولى، انتهى.
ولا يخفى ما في هذا الكلام من السقوط المستغني عن البيان، فإنّ هذه الأولوية لا يسلمها مَن له أدنى فهم، إذ سبب هذه المساءة هو التسبب بالسؤال إلى بدوِّ تلك الأشياء المسئول عنها، ومحل النزاع وهو المطلق والمقيد قد صارت تلك الأشياء موجودة قبل السؤال
(1) المائدة 101