نزاع، دون العكس، وإنْ لم يتحد موجبهما، كأن تقول في كفارة الظهار تحرير رقبة، وفي كفارة القتل تحرير رقبة مؤمنة، ففي هذا خلاف معروف في الأصول، وإنْ كانا منفيين، فقال ابن الحاجب: إنه يعمل بهما مع اتحاد موجبهما اتفاقا، ومع اختلاف موجبهما.
الخلاف هذا خلاصة ما ذكره ابن الحاجب، وشُرّاح كلامه، وقال ابن فرشته في شرح المنار في بحث المطلق والمقيد: اعلم أنهما إمَّا أنْ يردا في السبب والشرط، أو يردا في الحكم، وحينئذ إمَّا أن يتحد الحكم والحادثة، أو يتعددا، أو يتحد الحكم، وتتعدد الحادثة، أو بالعكس، فهذه خمسة أقسام، قسم منها يجب الحمل بالاتفاق، وهو ما إذا كانا متعددين، وأمَّا الثلاثة الباقية فمختلف فيها، ثم فصّل الخلاف في بقية الأقسام، ولم يذكر الفرق بين النفي والإثبات.
وقال المحقق ابن الإمام في الغاية: وهما، أي المطلق والمقيد، إنْ اتحد سببهما، وحكمهما فكالبناء، وإنْ اختلفا حكما لم يحمل المطلق على المقيد اتفاقا وسببا يحمل المطلق إنْ اقتضى القياس التقييد، وإلاّ فلا يحمل، وفصّل الأمثلة / والخلاف في الشرح، ولم 42 أ يذكر الفرق بين النفي والإثبات، وذكر ابن تاج الشريعة في التنقيح [1] في المنفيين مثل ما ذكر ابن الحاجب، وذكر في شرحه الخلاف والحجج، وسيأتي ذلك، واعترض عليه السعد في التنقيح باعتراضات ستأتي الإشارة إليها، فهذا حاصل كلام أئمة الأصول في صور المطلق والمقيد، ولا نزاع فيما عدا المنفيين، الذين ورد السؤال فيهما، وإنما النزاع فيهما فقط، والسؤال عنهما في الحمل وعدمه.
فنقول: في الجواب عن ذلك أبحاث، حسبما تقدمت الإشارة إليه:
البحث الأول: في ذكر ما احتج به القائلون بعدم الحمل، فنقول: أمَّا ابن الحاجب فلم يحتج لهذه المقالة التي نقلها عنه مَن بعده من أهل الأصول، أعني عدم حمل المطلق على المقيد المنفيين بحجة قط، سوى ما زعمه من الاتفاق الذي هو قليل النَّفاق، وكذلك شُرّاح كتابه، واحتج بعض المتابعين له على ذلك بأنَّا إذا جعلنا الحكم للمقيد، وحملنا المطلق عليه، كان في ذلك إخلال بمقتضى اللفظ المطلق، مع تناول النهي له، وذلك غير سائغ، ولا يخفى عليك أنّ دعوى الإخلال مختلة، فإنّ الفرد الذي دلّ القيد على تعيينه هو أحد مدلولات المطلق بدلًا، لا يشك في ذلك مَن له أدنى إلمام بلغة العرب، فإنّ المكاتب الكافر المذكور في مثال ابن الحاجب هو أحد ما يتناوله على طريق البدل مطلق المكاتب
(1) ابن تاج الشريعة: (؟ ـ 747 هـ) عبيد الله بن مسعود بن تاج الشريعة، فقيه، أصولي، نحوي وأديب، ومحدّث، ومفسر، ومنطقي، كان حنفي المذهب، ولقب بصدر الشريعة الأصغر، وهو من بيت علم، فقد أخذ العلم عن جده تاج الشريعة محمود، وكان يهتم بتقييد الفوائد والغرائب عن جده، وله مؤلفات منها: التنقيح في أصول الفقه، وشرحه المسمى بالتوضيح، وله شرح كتاب الوقاية لجده تاج الشريعة، وقد شرحه شرحا حسنا، وله اختصار لكتاب الوقاية أيضا سماه النقاية، توفي بشرع اباد ببخارى.