أنه صوم شك، بل قرر أنه صوم يوم من رمضان، وهو غير مظنة التهمة التي لأجلها ردت الشهادة المقررة للقول والفعل.
البحث الرابع: إنا نمنع صحة هذه القاعدة الفقهية، أعني عدم قبول الشهادة المقررة لقول أو فعل مسندين لهذا المنع بما يثبت عنه صلى الله عليه وسلم عند البخاري، والترمذي، والنسائي من حديث عقبة بن الحارث أنه تزوج بنتا لأبي إهاب، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج بها، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكر له الخبر، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كيف وقد قيل، ففارقها عقبة، ونكحت زوجا غيره، وما قيل من أنّ قوله: كيف وقد قيل، مشعر بعدم وجوب العمل، ولا نزاع في أولوية اجتناب الشبهة، فمدفوع بما ثبت في رواية: دعها عنك، وفي أخرى بلفظ: فنهاه عنها، وما تمسك به السيد رحمه الله تعالى في ضوء النهار من أنّ الخبر مخالف للأصول، فيجب الجمع بينه وبينها بأن المراد أولوية الاجتناب، فإنْ أراد بالأصول الأدلة الدالة على اشتراط شاهدين، أو رجل وامرأتين فلا مخالفة، لأنّ خبر المرضعة مخصص لعموم تلك الأدلة، وإنْ أراد بالأصول الأدلة الدالة على عدم قبول المرضعة في ضوء النهار بهذا الدليل الذي زيفناه، وأردفه بدليل أضعف منه، فقال: ولأنها تستلزم أنْ يكون رمضان دائما ثلاثين يوما، وقد صح من حديث ابن مسعود وغيره أنّ صيام رسول الله/ كان تسعا وعشرين يوما أكثر مما كان ثلاثين 20 أ يوما، وإذا استلزمت هذه الشهادة هجر سُنَّة كانت بدعة، ووجب ألاّ تكون الشهادة على كل شهر إلاّ في أوله، كما هو السّنة الكائنة عهد النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، وعهد خلفائه، انتهى.
ولا أزيد الناظر على حكاية هذا الدليل الذي أفاده هذا المحقق، وأعجب منه الجزم بلزوم عدم قبول الشهادة على كل شهر في غير أوله.
قال: ولا يقال ذلك خبر لا شهادة، لأنا نقول: الصائم لا عن رؤية مبتدع، وخبر المبتدع بما يقوي بدعته لا يُقبل باتفاق أئمة الأصول.
أقول: لا يخفى عليك أنه إذا فُرِض أنّ صوم يوم الشك ابتداع، فالأخبار التي تقوي بدعة من صام يوم الشك إنما هي الأخبار المقوية لصوم يوم الشك، كأن يخبرنا أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم صامه، أو أمر بصيامه، أو أنّ العالِم الفلاني صامه، أو استحب صيامه، أو نحو ذلك، فأما الإخبار بأنّ اليوم الذي يُظن أنه يوم شك، ليس بيوم شك، بل هو من شهر رمضان، فأين هذا من تقوية البدعة، وقد تضمن الخبر إبطال كونه يوم شك، فذهبت مظنة التهمة التي هي سبب القول بعدم القبول.