الصفحة 49 من 78

لا فرق في ذلك بين مقلد ومجتهد، وقد عرّفناك أنّ الحق عدم لزوم العمل بقول المفتي صحّ عندي، لكن لذلك الأمر الذي أسلفناه، لا لما ذكره السيد.

قال: نعم تتجه متابعة الإمام الأعظم المجمع على إمامته إذا صام أو أفطر عن شهادة مشافهٍ له بالشهادة بالرؤية، بشرط ألاّ يكون المتابع في غير ناحية الإمام، قياسا على فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيِّهِ سلام الله عليهما.

أقول: هاهنا أبحاث:

الأول: تخصيص الإمام الأعظم بالقياس على فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأدلّة التأسي لم تفرق بين الإمام الأعظم وغيره إلاّ في أمور مخصوصة كالزكاة والجهاد ونحوهما على نزاع في ذلك طويل، ليس هذا مقام التعرّض له.

الثاني: أنّ الأمر بطاعة أولي الأمر في الكتاب والسنة أعم من أن يكون الآمر الإمام الأعظم، أو غيره، وحذف المتعلق أعني المأمور به مشعر بالتعميم إلاّ ما خصّ كقوله: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ونحو ذلك، فإذا أمر غير الإمام الأعظم من أولي الأمر بالصيام لموجب صح له، وجب الامتثال بنص: [أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا /الرَّسُولَ 17 ب وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ] [1] ونحوها من الأحاديث الصحيحة، وهو أولى من القياس الذي عوّل عليه السيد، فما وجه الاقتصار على الإمام الأعظم، والاستدلال بالقياس مع وجود أنهض منه.

الثالث: أنّ حديث: (العلماء ورثة الأنبياء) [2] ، يدل على الاقتداء بهم في الصوم والإفطار إذا صحّ لهم وجود السبب على الوجه الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس المراد جميع العلماء، أو جمعا منهم، لما تقرر عند أئمة الأصول والتفسير، وكثير من أئمة البيان أنّ اللام الداخلة على الجموع تُصيّرها للجنس، ويزداد ذلك قوة إذا صح ما ذكره بعض المفسرين من أنهم المرادون بقوله عزّ وجلّ [وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ] .

الرابع: أنّ تقييد الإمام الأعظم بكونه مجمعا على إمامته إنْ أُريد به إجماع الناس، فلم يتفق هذا لأحد من أهل الإسلام، بل لم يقع الإجماع على نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من جميع الناس، وإنْ أريد به إجماع المسلمين فالخلاف ما زال بين المسلمين من زمن الصحابة إلى الآن، فهذا يُطيع هذا الإمام، وهذا يُطيع غيره، وهذا يمتثل أوامر بعض الأمراء، وهذا يمتثل أوامر بعض، وربما اتفق ذلك في البلدان الحقيرة كاليمن، فإنه قد تعارض فيها في بعض الأزمان أربعة أئمة من أهل البيت، كل واحد منهم من أئمة العلم، وأطاع كلَّ واحد منهم فريقٌ من العالم، وكذلك الأندلس، وهي من أصغر البلاد، اجتمع فيها في بعض الأزمان ثلاثة عشر ملكا، كل واحد منهم مُطاع مُتَّبََع، وقد اجتمع أيضا في اليمن في

(1) النساء 59

(2) سنن أبي داود 3/ 354/م، سنن ابن ماجة 1/ 81 /م، سنن الترمذي 5/ 48/م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت