الصفحة 47 من 78

الحُفاظ في التصحيح والتحسين والتوهين ليس من التقليد في شيء، ولا شكّ أنّ قول المفتي: صحّ عندي أنّ أول الشهر اليوم الفلاني في قوة اإخبار بصحة الطريق الموصلة إلى ذلك من شهادة أو مشاهدة أو كمال عِدة، كما أنّ قول الحافظ: هذا الحديث عندي صحيح في قوة الإخبار بأن له سندا متصلا بنقل عدول، مع تمام الضبط والسلامة من الشذوذ والعلة.

وما ذكره السيد رحمه الله من أنّ الصحة أعمّ من الوجوب، والأعم لا يستلزم الأخص إنما يرد على المهدي إذا أراد بالصحة معناها الاصطلاحي، أعني ترتّب الآثار، أو موافقة أمر الشارع، وهكذا إنْ أراد بالصحة معناها المرادف للجواز؛ لأنّ الجواز أعمّ من الوجوب، فلا يستلزمه، والظاهر أن المهدي لم يرد شيئا من ذلك، بل أراد معنى آخر، وهو الصحة التي بمعنى الثبوت والتحقيق، كما يقال: حديث صحيح، وخبر صحيح، أي حديث ثابت، وخبر ثابت، والمراد أنه ثبت عند المفتي، وتحقق أنّ أول الشهر اليوم الفلاني، وذلك الثبوت لا يكون إلاّ بشهادة أو مشاهدة أو كمال عدة، والصحة هاهنا تستلزم الوجوب، كما يقال إذا صحت الشهادة وجب العمل بمقتضاها، وإذا صح الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجب العمل به، ولا نزاع في صحة الملازمة بهذا الاعتبار بالنسبة إلى المفتي، فعمله بمقتضى ما صح واجب عليه، إلاّ عند من قال: لا يعمل برؤية نفسه إذا كان المستند لقوله صحّ عندي هو رؤية نفسه، وأمَّأ باعتبار الوجوب على الغير، فهو مفتقر إلى دليل، فإن قيل إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل خبر الواحد في الصوم، قلنا: قبل الواحد المخبِر بأنه رأى الهلال، كما وقع في قصة عبد الله بن عمر، وقصة الأعرابي، ولا نزاع في قبول خبر مَن قال رأيت الهلال، إنما النزاع في قبول خبره أنه صحّ له أنّ أول الشهر كذا من غير بيان المستند، فإنْ قلت خبر الواحد برؤية الهلال غاية ما يحصل منه الظن، وخبر المفتي بأنه صح له أنّ أول الشهر كذا محصل لمثل ذلك الظن، وربما كان خبر المفتي في إفادة الظن أقوى، فإنّ من المعلوم أنّ قول مَن هو من أهل العلم والفضل والزهد صحّ عندي أنّ أول الشهر كذا أدخل في إفادة الظن من قول أعرابي عاميّ رأيت الهلال، قلت: الذي تُعبدنا به في الصوم والإفطار هو الظن الحاصل بالإخبار بالرؤية، أو كمال العدة إنْ لم تحصل لنا المشاهدة، ولم تبعدنا بكل ظن، وإلاّ لزم العمل بالجدول، وسير القمر، وإخبار أهل الحساب إذا أفادت الظن، واللازم باطل، وهذا هو الذي ينبغي أن يُعوّل عليه في تضعيف القول بوجوب العمل بقول المفتي صحّ عندي، لا ما ذكره السيد رحمه الله من أنّه تقليد لمعيّن، وهو لا يجب.

قال: فإنْ قيل: إنّ قول المفتي صح عندي حكم يقطع الخلاف، قلنا: حكمه مختص بما نصب له من فصل الخصومات فقط، لا الديانات، فإنه لم ينصب لها، وإلاّ لزم أن لا يتدين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت