وأنت تعلم أنّ ترتيب القدوم على اختلاف الناس، وتعقيب القدوم بالشهادة ظاهران في خلاف ما ادّعاه السيد، وأمَّا حديث الركب فلفظه في المنتقى [1] : عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قالوا: غم علينا هلال شوال فأصبحنا صياما فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمر الناس أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من الغد.
فأمر الناس صريح في خلاف ما أراده السيد من تخصيص الركب بالإفطار، ثم انظر كيف صنع في هذا الكلام، فإنه لمَّا ادّعى ظهور كون الراكبين في ناحية المدينة، استدل على هذه الدعوى بظهور تخصيص الركب بالإفطار، ثم استدل على ظهور التخصيص بظهور كون إخبارهم اليوم برؤية في الأمس، في أنّ الرؤية في غير ناحية المدينة، وأنت تعلم أنّ كون ناحية الرؤية غير ناحية المدينة لا يصلح دليلا على التخصيص إلاّ بعد تسليم مدعاه من عدم لزوم رؤية أهل ناحية لأهل ناحية أخرى، وأنه محل النزاع، ولو سلم عدم وجود لفظ الناس في حديث الركب، كما وقع في رواية أبي داود من حديث أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّ ركبا جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أنْ يفطروا، وإذا أصبحوا أنْ يغدوأ إلى مصلاهم، لم يكن من ظهور التخصيص الذي ادعاه السيد في شيء، لأنّ الظاهر الذي لا سترة به أنّ الركب أفطروا لما عُلِم من شرعه صلى الله عليه وآله وسلم من الإفطار لرؤيته، فانتظارهم بالإفطار بعد رؤية الهلال لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلاف المعلوم من الدين، فلا يصح توجه الأمر بالإفطار إليهم؛ لأنه يكون تحصيلا للحاصل.
قال: الثالث أنّ الاجتماع على وجوب الصوم والإفطار بقول المفتي صح ّ عندي، كون اليوم المُعيّن أول الشهر غير صحيح، لأنّ تقليد معين لا يجب اتفاقا، وإن صحّ، وأمَّا قول المهدي أنه إذا صحّ وجب فمن جزاف الحز بالملازمة؛ لأنّ الصحة أعم من الوجوب، والأعم لا يستلزم الأخص لم لا يكون العمل بذلك رخصة، والرخصة صحيحة غير واجبة، على أنّ المسألة للمؤيدين وهو إنما صرح بالجواز على أصل التخيير في التقليد للمعين، لا الوجوب اتفاقا.
أقول: الاستدلال على عدم صحة وجوب الصوم والإفطار بقول المفتي صح عندي بكونه تقليدا لمعيّن، وهو غير واجب اتفاقا، لا يتم إلاّ بعد تسليم أنّ الأخذ بقول المفتي تقليد، وهو ممنوع، والسند أنْ نقول لمَ لا يكون من باب الإخبار، كقول أئمة الحديث: هذا حديث صحيح / أو صحّ عندي صحة هذا الحديث، وقد صرح الأئمة أنّ الأخذ بأقوال 16 ب
(1) المنتقى لابن الجارود.