الصفحة 45 من 78

عليه وآله وسلم رآه، فلم يعمل برؤيته حتى أخبره غيره، فقال: وآخر معك، فهذا الاحتمال لو اعتبر بمثله في مسائل الدين؛ لبطل أكثر الشريعة، لأنّ كل مٍالة من المسائل لابد من دخول الاحتمال فيها، والاستشهاد لصحته بحديث رؤيته صلى الله عليه وآله وسلم، وعدم عمله بها غير صحيح، لأن الحديث كما قال المغربي في البدر التمام [1] لم يثبت، ولم يخرجه أحد من الأئمة المعتبرين، حتى قال المقبلي في حاشية البحر: إنه كلام يقشعرّ له الشَّعر والبشر، وأنه مما تتنزه عنه كتب الموضوعات، وقول السيد إنه وفد مع ركب الشام لم نجده في الكتب التي خرّج أهلها حديث كريب، فلا يتم التأييد الذي ذكره إلاّ بعد ثبوت ذلك.

قال: وأما حديث إفطار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لخبر الراكبين، أو الراكب في رواية، فالظاهر كون رؤيتهما في ناحية المدينة، لحديث إنّ ركْبا جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أنْ يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم، فإنه ظاهر في تخصيصهم بالأمر بالفطر دونه ودون أصحابه، لأنّ إخبارهم اليوم برؤية في الأمس ظاهر في أنّ الرواية في غير ناحية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والحديث صححه ابن حزم، وابن المنذر، وابن السّكن.

أقول: قد ظن السيد رحمه الله ورود الحديث على ما قرره من عدم عمل أهل ناحية برؤية أهل ناحية أخرى، ولا يرد على مَن قدّر المسافة بالأقاليم، أو باختلاف المطالع، أو بالبعد مسافة طويلة كالمدينة والشام، ولفظ حديث الراكبين في مسند ابن أبي شيبة، وشرح التجريد أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلان وافدان أعرابيان، فقال لهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أمسلمان أنتما؟ قالا: نعم / فقال لهما: أهللتما 16 أ قالا: نعم، فأمر الناس فأفطروا، وجعله السيد ظاهرا في كون رؤيتهما في ناحية المدينة، لحديث الركب، وجعله ظاهرا في تخصيصهم في الأمر بالفطر، ودعوى الظهور في الحديثين لا دليل عليها إلاّ مجرد التحكم، أما حديث الراكبين فإن لم يكن ظاهرا في خلاف ما ذكره، فأقل أحواله استواء الجانبين، وسياقه في نسخة صحيحة من سنن أبي داود بلفظ:

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْمُقْرِئُ قَالاَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِىِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِى آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَقَدِمَ أَعْرَابِيَّانِ فَشَهِدَا عِنْدَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بِاللَّهِ لأَهَلاَّ الْهِلاَلَ أَمْسِ عَشِيَّةً فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا، وزَادَ خَلَفٌ فِى حَدِيثِهِ وَأَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلاَّهُمْ.

(1) كتاب البدر التمام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام للقاضي الحسين بن محمد بن سعيد المغربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت