الصفحة 42 من 78

الأول: أنّ لفظ ابن عباس الذي ساق السيد فيما سبق قد عرفت أنّ الظاهر أنه أشار بقوله: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. إلى قوله: اقتدِ بأهل المدينة، وعرفت أنّ بينهما عموما وخصوصا من وجه، فالقول بأن حديث ابن عباس مخصص لأحاديث الرؤية من هذه الحيثية تهافت.

الثاني: أنّ لفظ الحديث أيضا باللفظ الذي في الأمهات الذي سقناه فيما سبق غير منتهض على التخصيص، على الوجه الذي اختاره السيد من عدم عمل أهل ناحية برؤية أهل ناحية أخرى، وقد أوضحناه في البحث الذي قبل هذا، فلا نكرره.

الوجه الثالث: أنّ الذي قرره الإمام المهدي في أصوله هو العمل بالمتأخر من العام أو الخاص، فإن جهل اطُّرِحا، قال في المعيار ما لفظه: مسألة أهل المذهب والقاضي وإذا تعارض العام والخاص عمل بالمتأخر إنْ عُلِم، فإن جُهل اطُّرِحا، وأخذ في الحادثة بغيرهما أصحاب الشافعي، بل يبني العام على الخاص مطلقا، قلنا العموم متناول للخصوص، فهو كتعارض العمومين، أو الخصوصين، وإنْ اقترنا فكتأخّر الخاص، انتهى بحروفه.

وقد استوفى في شرحه الأدلة على ذلك، وهكذا الكلام في المطلق والمقيد، فتهافت الإمام المهدي عليه السلام بقوله: أحاديث الرؤية لم تفصل، لا يتم إلاّ بعد ثبوت تأخّر هذا الخاص، بعد تسليم أنه خاص، وتسليم صلاحيته لذلك، أو بعد ثبوت مقارنته للعام، وإنّ ذلك متوقف على بيان التاريخ، فحق الإنصاف أنْ يبيّن السيد ذلك، أو يتورع عن المجازفة بالرمي بالتهافت.

قال: وأمَّا تأويله بقوله لعلّ ابن عباس إنما قال ما قال لأنّ المُخبِر له واحد فقط، فإسراف في التهافت؛ لأنه خلاف ما نطق به ابن عباس من العدد، ولو أنّ العلة نقص نصاب الشهادة؛ لكان مقتضى الجواب أنْ يقول لكريب: هل معك شاهد غيرك؛ لأنه وفد مع ركب الشام، وخبر الواحد فيما لو انفرد واحد بالخبر عما شاركه فيه غيره لكذّبوه يفيد العلم.

أقول: هذا التأويل ذكره الإمام المهدي في البحر، فقال: ولعل قول ابن عباس لكون المُخبِر له عن رؤية في الشام واحدا، قال العلامة المقبلي [1] في المنار ما لفظه: قد تعلّقوا لإثبات

(1) العلامة صالح بن مهدي المقبلي - نسبة إلى قرية (المَقْبَل) ، في اليمن. ويعتبر العلامة المقبلي: علمٌ، من أعلام الفقه، والفكر، والاجتهاد في اليمن. وهو أحد كبار العلماء في تاريخ اليمن المتأخر، وأحد رؤوس أهل السنة في اليمن ممن تمردوا على المذهب (الزيدي الهادوي) واعترضوا على أخطائه وجموده. وقد: سلك طريق الاجتهاد بعدما استوفى شروط المجتهد، وكان شعاره: ترك التقليد، ونبذ الخلافات والبدع، وانتقد كثيرًا مما أطبق عليه الكافة من قواعد أصولية وفرعية"كما"كان كثير الانتقاد (للمعتزلة) في بعض المسائل الكلامية، وعلى (الأشعرية) في مسائل أخرى، وعلى (الصوفية) في غالب مسائلهم، وعلى الفقهاء في كثير من تفريعاتهم، وعلى المحدِّثين في بعض غلوهم، وقد استقر به المقام في أواخر سني حياته في مكة المكرمة، والتي نزح إليها مع أهله، بعد الأذى الكبير والكثير الذي تعرض له من زيدية عصره ومعاضدة الإمام المتوكل على الله لهم ضده"وكان جليل القدر عند علماء الحرمين، وغيرهم من الوافدين""وظل في مكة المكرمة مكبًّا على العلم، منشغلًا بالتدريس والتأليف حتى توفي فيها"سنة 1108 هـ. ويؤخذ عليه، من قبل بعض أهل السنة، أنه تجاسر حتى نال من بعض علماء السلف ووقع في بعض الهفوات، كانتقاده للإمام أحمد بن حنبل، وابن معين، وابن المديني، والذهبي في رد روايات بعض المبتدعة، وقبول روايات بعضهم، وكشكه في عدالة الصحابة .. وغير ذلك من المآخذ التي جاءت من رواسب نشأته القديمة، أو بسبب ردة فعلة الشديدة، نحو التقليد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت