الثالث: لو فرضنا توجه الإشارة إلى عدم لزوم رؤية أهل قطر لأهل قطر آخر، لكان عدم اللزوم مقيدا بدليل العقل، وهو أنْ يكون بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع، وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل الشام مع عدم البُعد الذي يُمكن معه الاختلاف، عملٌ بالاجتهاد، وليس بحجة.
الرابع: لو سلم عدم لزوم التقييد بدليل العقل، فلا يشك عالم أنّ الأدلة قاضية أنّ أهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض، وشهادته في جميع الأحكام الشرعية، والرؤية من جملتها، وسواء كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا، فعدم العمل في هذا الحكم بخصوصه مشعر بوروده على خلاف القياس، فينبفي أنْ يُقتصر فيه على محل النص، إنْ كان النص معلوما، أو على المفهوم منه، إنْ لم يكن معلوما، ولم يأت ابن عباس بلفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم،، ولا بمعنى لفظه حتى ننظر في عمومه وخصوصه، إنما جاءنا بصيغة مجملة، أشار بها إلى قصة، هي عدم عمل أهل المدينة برؤية أهل الشام، على تسليم أنّ ذلك المراد، ولم نفهم منه زيادة على ذلك حتى نجعله مخصصا لذلك العموم، فينبغي الاقتصار على المفهوم من ذلك الوارد على خلاف القياس، وعدم الإلحاق به، فلا يجب على أهل المدينة العمل برؤية أهل الشام دون غيرهم، ويمكن أنْ يكون في ذلك حكمة لا نعقلها.
الخامس: لو سلّمنا صحة الإلحاق / فلا يجوز إلاّ في المحلات التي بينها من البعد 14 ب ما بين المدينة والشام، أو أكثر، وأمَّا في أقل من ذلك فلا يصح الإلحاق، وهذا ظاهر لمن تأمل، فانظر ما دليل من ذهب إلى اعتبار البريد، أو الناحية، أو البلد في المنع من العمل بالرؤية، كما اختاره السيد، وسبق في البحث الأول عن جماعة من ورود ما يدل على خلاف ذلك، كما في حديث الركب الذي سيأتي تحقيق الكلام فيه، وأنت إنْ أنصفت، ولم تخبطك أسواط هيبة الأقوال، ولا حال بينك وبين الحق إمراء الرجال، عرفت بعد هذا الكلام أنّ قول ابن عباس ليس فيه ما يوجب عليك هجر دليل العقل والنقل، ولا ما يوقعك في مضيق التخصيص لجميع الجهات القريبة والبعيدة.
وَهَذا الحَقُّ لَيسَ بِهِ خَفاءٌ ... فَدَعْنِي مِن بُنَيّاتِ الطَّرِيقِ [1]
قال: وأمَّا قول الإمام المهدي عليه السلام في دفعه أنّ أحاديث الرؤية لم تفصل، فتهافت، لأنّ هذا خصوص أو مقيّد، والخصوص مقدّم على العموم، والمقيد يقيِّد المطلق؛ لأنهما في حكم واحد.
أقول: لا تصح هذه الدعوى، لوجوه:
(1) البيت من الوافر، وهو للأقيشر الأسدي.