الصفحة 40 من 78

وقد حكى الترمذي عن أهل العلم أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم دون غيرهم، ولم يحك سواه، قال ابن عبد البر: وأجمعوا على أنه لا يُراعى الرؤية فيما بَعُد كخراسان والأندلس، قال القرطبي: قد قال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نقل إلى غيرهم شهادة اثنين، لزمهم / الصوم، وهذا هو المشهور عند المالكية 14 أ، واختاره المهدي في البحر على أصل الهدوية [1] ، هذه خلاصة ما في المسألة من الأقوال، وسيأتي بيان ما هو الحقّ منها، إنْ شاء الله تعالى.

قال: وذلك صريح في أنه لا يلزم أهل قطر رؤية قطر آخر، وأنّ الآمر بذلك هو النبي صلى الله عليه وآل وسلم، واختاره الإمام يحيى عليه السلام لمذهب الهدوية.

أقول: ما ادّعاه من الصراحة مدفوع بوجوه:

الأول: ما عرفت من الاحتمال في قول ابن عباس: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو موجب لعدم انتهاضه على التخصيص.

الثاني: توجهه باعتبار اللفظ الذي في كتب الحديث إلى قول ابن عباس: فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوما أو نراه، وتكون اشارة ابن عباس إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ يَوْمًَا) ، أخرجه البخاري ومسلم، والموطأ، وأبو داود، والنسائي، وأنت تعلم أنّ هذا الأمربإكمال العدة لا يختص بأهل المدينة، ولا بأهل كل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل مَن يصلح له من الأمة، فلا دليل فيه على عدم عمل أهل ناحية برؤية أهل ناحية أخرى، فلا تخصيص، وهذا واضح لمن تأمل، ولو سمع كل عارف بلغة العرب قائلا يقول: أنا لا أخرج من بلدي، فقال له الآخر: ألا تطيع الأمير، فقال: لا، هكذا أمرني الخليفة، لما فهم من قوله: هكذا أمرني الخليفة إلاّ الإشارة إلى قوله: أنا لا أخرج من بلدي، ويتعين هذا الفهم إذا أخبرنا آخر أنّ الخليفة أمر ذلك القائل بأن لا يخرج من تلك البلد، ووزان قول ابن عباس لكريب وزان هذا، فإنّ كلامه الذي لم يفصل بينه وبين هذه الإشارة فاصل من لفظه هو قوله: لا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه، وثبت من حديث ابن عمر عند الستّة إلاّ الترمذي، ومن حديث أبي هريرة عند مسلم، والنسائي أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، خاطب الناس الذين ابن عباس من جملتهم بقوله: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة، والحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس، لا في اجتهاده الذي فهمه الناس.

(1) نسبة إلى إمام الزيدية الهادي يحيى بن الحسين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت