إذا عرفت هذه الأبحاث في لفظ الحديث باللفظ الذي ساقه السيد فاعلم أنّ لفظه في دواوين الإسلام ليس فيه أمْر كريب بالإمساك، ولا خطابه بلفظ اقتدِ بأهل المدينة، كما أنه ليس في هذا السياق الذي ذكره أنّ كريبا رآه بالشام، بل هو بلفظ: قال كريب: استهلّ عليَّ رمضان بالشام، فرأيت الهلال يوم الجمعة، ثم قدمتُ المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس: متى رأيتم الهلال؟ قلتُ: يوم الجمعة، ورآه الناس، وصاموا، وصام معاوية، فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، قلت: أو لا نكتفي برؤية معاوية وصيامه، فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والحديث باللفظ الذي ساقه السيد ذكره الرافعي، ولم يخرجه ابن حجر في التلخيص، وقال في البدر المنير عند الكلام عليه ما لفظه: هذا غريب، لا يحضرني مَن خرّجه.
وقد اختلف القائلون بعدم عمل أهل ناحية برؤية أهل ناحية أخرى في قدر البعد على أقوال: الأول: حكاه البغوي عن الشافعي في ضبط البعد أنه، أنَّ اختلاف المطالع، قطع به العراقيون، والصيدلاني، وصححه النووي في الروضة، وشرح المهذب.
والثاني: مسافة القصر، قطع به البغوي، وصححه الرافعي في الصغير، والنووي في شرح مسلم.
الثالث: اختلاف الأقاليم، ذكره الإمام يحيى في الانتصار، واختاره بعض أصحاب الشافعي.
الرابع: يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه منهم بلا عارض دون غيرهم، ذكره السرخسي.
الخامس: لا يلزم إلاّ أهل البلد الذي أقيمتْ فيه الشهادة، دون غيرهم، إلاّ أنْ تثبت عند الإمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقه في حكم البلد الواحد؛ لنفوذ حكمه في الجميع، ذكره ابن المجشون.
السادس: اختلاف الجهات ارتفاعا وانحدارا، رواه المهدي عليه السلام في البحر، عن الإمام يحيى لمذهب الهدوية.
السابع: أن يكون أحد البلدين سهلا والآخر جبلا، ذكره الإمام يحيى [1] في الانتصار، قال: لأنهما إذا كانا على هذه الصفة اختلفت فيهما المطالع والمغارب، قال أيضا: فبغداد والبصرة والكوفة سهلية، فتكون الرؤية في أحدها رؤية للآخر، والعراق والحجاز وخراسان وجيلان وديلمان كلها جبلية تختلف فيها المطالع والمغارب، فلا تكون الرؤية فيها رؤية للغير.
(1) هو الامام يحي بن حمزة بن علي بن ابراهيم بن يوسف بن علي بن ابراهيم بن محمد بن احمد بن ادريس بن جعفر الزكي بن علي الهادي بن محمد التقي الجواد بن الامام علي الرضا بن الامام موسى الكاظم بن الامام جعفر الصادق بن الامام محمد الباقر بن الامام السجاد زين العابدين بن الامام الحسين ابن الامام علي بن ابي طالب عليه السلام، له في الفقه: الانتصار، والعمدة، والاختيار، والإيضاح في علم الفرائض. وكانت وفاته / سنه 749 هـ في حصن هرّان غربي ذمار.