من الناس بالقصور عن ذلك؛ حتى كأنه أمر لم يؤهل له غيره، وعلى الجملة فهذا الشرط على الوجه الذي قرره المصنف من استلزامه لعدم وجوب القضاء في مثل صورة النزاع من فوائده التي لم يقل بها غيره، ومن فوائد هذا السيد العلامة قوله بأنّ فهم النفع شرط التكليف، وهي أطمّ من هذه وأعمّ، ولم يطمع الشيطان من علماء الإسلام بمثلها، وقد اتفقت كلمة أئمة الأصول وغيرهم أنّ الشرط ليس إلاّ مجرد فهم التركيب الذي وقع به الخطاب، لا فهم النفع الذي هو ثمرته وأثره، وفرق بين فهم تركيب واجب عليك كذا، وفهم نفعه الذي هو علّته الغائيّة، فإنّ الشعور المعتبر الذي يمتنع التكليف بدونه قد حصل بالأول، ولا نعتبر في حصوله الثاني بإجماع من عدا السيد رحمه الله، ولو حصل الثاني لغير المؤمنين لما بقي في الدنيا كافر ولا فاسق، وهكذا فلتكن التأصيلات التي يبكي لها الإسلام، وتتصاعد عند سماعها زفرات الأعلام.
قال: الثاني أنّ قول ابن عباس لمولاه كُريب حين وفد من الشام، وأخبره أنّ معاوية والناس رأوا هلال رمضان في الشام ليلة الجمعة، ولم يره ابن عباس وأهل المدينة إلاّ ليلة السبت، وغُمّ عليهم هلال شوال، فوفّوا رمضان بالأحد، وأراد كريب أن يُفطر فمنعه ابن عباس، وقال: اقتدِ بأهل المدينة، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
أقول: الحديث في دواوين الإسلام بغير هذا اللفظ الذي ذكره السيد، وسيأتي بيانه، وفي هذا اللفظ الذي ساقه أبحاث:
/ الأول أنّ قوله: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحتمل توجهه إلى 13 أ قوله: اقتدِ بأهل المدينة، ويحتمل توجهه إلى منعه من الإفطار، ويحتمل توجهه إلى الجميع، وظاهر السياق شاهد للأول، والأمر بالاقتداء بأهل لمدينة على فرض شموله لمحل النزاع عام لجميع الأمور من رؤية الهلال وغيرها؛ لأنّ حذف المتعلق مشعر بذلك، كما أنّ أحاديث الرؤية لم تفصل بين أهل المدينة وغيرهم، فجعل حديث الاقتداء خاصا تحكم، وغاية ما في الباب أنّ بين أحاديث الرؤية، وحديث الاقتداء عموما وخصوصا من وجه، فمادة افتراق حديث الاقتداء صدقهُ على غير الرؤية، ومادة افتراق أحاديث الرؤية صدقها على غير أهل المدينة، ومادة الاجتماع صدور الرؤية من أهل المدينة دون غيرهم، ولا نزاع في مادة الاجتماع ولا تعارض، إنما النزاع في صدور الرؤية من غير أهل المدينة في وقت سابق لوقت صدورها منهم، فأحاديث الرؤية تدل على قبولها، وحديث الاقتداء بأهل المدينة يدل على عدم القبول، وليس جعل حديث الاقتداء مخصصا لأحاديث الرؤية بأولى من جعل أحاديث الرؤية مخصصة للاقتداء، وإذا صرنا إلى التعارض كما هو الواجب في مثل تلك المادة وجدنا أحاديث الرؤية أرجح من حيث كثرة طرقها، فهي أولى بالقبول.